في جنوب مصر وتحديدا في مدينة أسوان صاحبة التاريخ الممتد عبر الزمن منذ آلاف السنين، ووسط المعالم التاريخية للحضارة المصرية يوجد نصب تذكاري ضخم يخلد التعاون والصداقة بين مصر وروسيا، يقع بالقرب من السد العالي، قام بتصميمه المهندس المعماري الروسي “يوري أومليتر شينكو”، الذي استوحي تصميمه من زهرة اللوتس المصرية المتفتحة التي تتكون من 5 ورقات، والتي تزينت بها تيجان أعمدة المعابد المصرية القديمة ونقشت على جدرانها وكانت أحد العناصر الرئيسية في زخارف قلادات وتيجان ملكات وملوك مصر، لذا عرف “شينكو” أهمية زهرة اللوتس وقصتها ورمزيتها لدي المصريين وحضارتهم فاستلهم منها الشكل الأساسي للنصب التذكاري، في حين يبلغ ارتفاعه نحو 72 متراً ليحاكي ارتفاع أعمدة المعابد المصرية القديمة، كما اهتم “شينكو” بالنقوش البارزة التي تميزت بها جدران المعابد، فقام بمحاكاتها، حيث تزخر جدران النصب التذكاري بالنقوش البارزة والرموز الفنية التي تعبر عن مظاهر النماء مثل الزراعة، الصناعة، التاريخ والحضارة، والطاقة، بالإضافة إلى رموز تعبر عن السلام والمستقبل المشرق لمصر صانعة الحضارة، وقد تم تصميم هذا النصب التذكاري ليجسد متانة العلاقات والتعاون بين مصر وروسيا او “الاتحاد السوفيتي آنذاك”، كما تم تصميم هذا النصب التذكاري ليواكب احتفالات الانتهاء من المرحلة الاولي لبناء السد العالي، حيث يضم النصب شرفة دائرية علوية توفر إطلالة بانوراميه تمكن الزوار من رؤية منطقة و مشروع السد العالي بالكامل، وبحيرة ناصر، ومعبد كلبشة و قد تم افتتاح النصب عام 1967.
نصب الصداقة المصرية الروسية.. تصميم روسي برموز مصرية
رمز الصداقة المصرية الروسية تشكل على هيئة زهرة اللوتس المتفتحة ذات الساق العملاقة والمكونة من 5 وريقات، قام بتصميمه فنان روسي بينما قامت بتنفيذه شركة مصرية، وقد قام “شبنكو” باختيار زهرة اللوتس لقدسيتها لدى المصريين القدماء حيث تعد رمزا بصريا للحضارة المصرية القديمة وهي الحضارة المحيطة بمكان النصب والتي تعمد الفنان اختيار وحداته ومعالجاته لتكون جزء متجانسا معها مع دراسة متعمقة لفلسفة كل عنصر، حيث تتفتح زهرة اللوتس فوق سطح المياه مزهرة بأوراقها الخمسة عند إشراق الشمس، بينما تغلقها عند رحيل الشمس وقت الغروب لتغرق تحت سطح الماء، وفي اختيار زهرة اللوتس رمزا لتفتح الحضارة المصرية بعد ان كادت تغرق اثارها وقت فيضان النيل قبل انشاء السد العالي.
عندما يكون للفن بعدا سياسيا
جاءت فكرة تصميم وإنشاء النصب التذكاري بعد رفض الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي تمويل مشروع السد العالي، فقررت مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر طلب العون من روسيا (الاتحاد السوفيتي في ذاك الوقت) لإنشاء السد، فتمت الموافقة على التمويل، وتم منح مصر قرضا بقيمة مليار دولار، وفي وقت لاحق تم شطب ثلث القرض، وأرسلت موسكو إلى مصر المهندسين والفنيين والخبراء في إنشاءات السدود، وكذلك أرسلت الحفارات الضخمة والمعدات، وأشرفت أيضا على المشروع الذي اكتمل في موعده، حيث أطلق المصريون عليه اسم “السد العالي” الذي حمى مصر من الفيضان وآثاره السلبية، وزودها بالتيار الكهربائي اللازم لتشغيل عجلة التنمية، ليخدم مشروعات توليد الكهرباء والطاقة حيث يُعد السد العالي بأسوان أحد أعظم المشروعات الهندسية في القرن العشرين، الذي تطلب إنجازه توجيه مسار نهر النيل وبناء سد ركامي بطول 3830 متراً وارتفاع 111 متراً، بهدف حماية مصر من الفيضانات والحفاظ علي الاثار المصرية من الغرق، وتوليد الكهرباء والطاقة و ما تلي ذلك من مشروعات تنموية مثل التنمية الغذائية و مشروعات تنمية الثروة السمكية.
النصب التذكاري رمز للصداقة المصرية الروسية
في عام 1964 تم الانتهاء من حفر قناة التحويل والأنفاق وهي المرحلة الأولي للسد العالي، وتم تحويل مجرى مياه النيل في منتصف مايو 1964، لتبدأ بعدها مرحلة توليد الطاقة حيث انطلقت الشرارة الأولى لتوليد الكهرباء في أكتوبر 1967، وفي عام 2014 في احتفالية اليوبيل الذهبي لمرور 50 عاما على تحويل مجرى نهر النيل كرم محافظ أسوان والسفير الروسي في مصر الخبراء المصريين والروس الذين شاركوا في بناء السد العالي من بينهم مصمم رمز الصداقة “يوري أومليتر شينكو”.
جمعية الصداقة المصرية الروسية
تتويجا للعلاقات المتجذرة عبر عقود من الزمان بين مصر وروسيا تأسست “جمعية الصداقة المصرية الروسية” عام 1987، وتعاقب على رئاستها أبرز الشخصيات المصرية، منهم على سبيل المثال الراحل الدكتور “مراد غالب”، وزير خارجية مصر الأسبق، والراحل الدكتور “فتحي سرور”، رئيس مجلس الشعب السابق ويرأسها حاليا الدكتور “إبراهيم كامل”، حيث تمت إعادة تشكيل اللجان الخمسة الخاصة بالجمعية مؤخرا بهدف ضخ دماء جديدة من رموز الفكر والثقافة والفن والعلاقات الدولية والإعلام والعلاقات الاجتماعية بهدف توطيد العلاقات المصرية الروسية في كل المجالات ونشر خدماتها في المجتمع بدعم كامل من الدكتور “فاديم زايتشيكوف”، مدير المراكز الثقافية الروسية في مصر، والدكتور “شريف جاد”، رئيس الجمعية المصرية لخريجي الجامعات الروسية والسوفيتية.
كما تسعى وزارة الثقافة المصرية حاليا إلى تعزيز جسور التواصل مع روسيا في مجالات الفن التشكيلي، ومن أبرز ملامح هذا التعاون الشراكة مع متحف بوشكين، حيث بحثت مصر مع روسيا فتح آفاق التبادل الإبداعي مع متاحف الفن المصري الحديث، وتحديداً عبر تفعيل الشراكة مع متحف “بوشكين” للفنون الجميلة بموسكو ومتحف “محمد محمود خليل” في مصر من خلال تنظيم ورش عمل فنية، كما تم الاتفاق على تنظيم ورش عمل مشتركة للشباب المبدعين في مجال الفنون التشكيلية وتبادل الخبرات التاريخية في مجالات ترميم الأعمال الفنية.


تعليقات