14 مايو 2026 15:00 مساء
|
آخر تحديث:
14 مايو 15:31 2026
جدل مسرحي: الإفراط بالتكنولوجيا والسينوغرافيا يهمش الممثل والكلمة؛ الهرش يدعو لرؤية توظف التقنيات بذكاء وتُبرز الأداء والجوهر
أُثير جدل كبير مؤخراً في الأوساط الثقافية والمسرحية، العالمية والعربية، حول موقع الممثل في العروض الحديثة؛ إذ يرى البعض أن طغيان التكنولوجيا والبهرجة البصرية قادا إلى تراجع الحضور الجميل والطاغي للممثل كما كان في السابق، وبات المخرجون يركزون على المؤثرات الضوئية، والشاشات التفاعلية، والسينوغرافيا المعقدة، ما جعل الخشبة ساحة للإبهار بالصورة على حساب الكلمة التي هي الأصل، والأداء الحي الذي يصنع التفاعل والتواصل الروحي المباشر مع الجمهور.
هذا الأمر يطرح في كل مرة سؤال الممثل وموقعه، والسينوغرافيا وكيفية توظيفها. فأمام هذا الواقع، يقترح البعض النهل من «المسرح الفقير» أو أن تكون هناك رؤية حقيقية في التوظيف، بحيث تخدم فكرة العرض وتبرز أبعاده الجمالية والفكرية.
ويُعد سعيد الهرش واحداً من أبرز الوجوه المسرحية في الدولة ومنطقة الخليج؛ فإلى جانب كونه مخرجاً صاعداً بقوة، فهو كذلك ممثل لامع. وبالتالي، فهو ينشد تلك النوعية من العروض التي تبرز إمكانيات الممثلين والقدرات الإخراجية لدى المخرجين. وفي هذه المساحة، يتناول الهرش حضور الممثل وأهمية الكلمة؛ فهو يرى أن بعض الأعمال التجريبية والحديثة يتحول فيها الممثل إلى مجرد جزء من التشكيل البصري أو الحركي، من خلال التوظيف المفرط للتكنولوجيا، ما يسلب الممثلين أدواتهم التقليدية كالصوت القوي والتقمص العميق، ويجعل الحضور الجسدي ثانوياً. وهذا يتطلب بالفعل ممارسات إخراجية تنصف الممثل وتحرك طاقاته وقدراته الإبداعية؛ فهو الأصل، وعليه ينهض العرض المسرحي.
*مساحة أدائية
في معرض تناوله للعلاقة بين المخرج والممثل يؤكد الهرش أهمية أن يحترم الأول الثاني، ويمنحه مساحته الكافية؛ إذ إن الملاحظة الجديرة بالاهتمام في بعض العروض أن هناك من المخرجين من يريد أن يهيمن على كل شيء، فيصنع عرضاً بلا تمثيل، عبر التركيز المبالغ فيه على الزخرفة واستخدام التكنولوجيا بشكل مسرف. وهو بذلك يتجاهل عناصر العرض المسرحي التي يأتي على رأسها التمثيل، ما يؤدي إلى اختلال كبير في بنية العرض؛ إذ إن بعض المخرجين يهتمون بإبراز عضلاتهم الفنية والتقنية.
وحول كيفية بناء عرض مسرحي ناجح، لفت الهرش إلى أن هذه العملية تحتاج إلى ذكاء؛ بحيث يتم الاشتغال على كافة عناصر ومفردات العرض المسرحي من تمثيل وإخراج وسينوغرافيا. فجائزة كل مخرج هي أن يصنع عرضاً يرسخ في أذهان الجمهور ويُذكر دائماً. فلئن كانت بعض العروض تُصنع بشكل يقترب من الصورة السينمائية، فإن ذلك الأمر يحتاج إلى رؤية واشتغال مبتكر بطريقة لا تضيع معها ملامح الفن المسرحي، وليس مجرد صناعة عرض مبهرج بسينوغرافيا تطغى عليها الزخرفة؛ فهذا يشير إلى أن العمل قد أُعد بلا رؤية. فالإفراط في توظيف التكنولوجيا يغيّب عنصر التمثيل، كما أن الإضاءة الزائدة تُحدث تشتتاً للممثلين، وكذلك الحال بالنسبة لقطع الديكور الكبيرة التي تُستخدم بلا خطة واضحة تخدم العمل.
ويلفت الهرش إلى الدور الكبير الذي تؤديه الورش في عملية الوعي المسرحي، مدللاً على ذلك بمهرجان «كلباء للمسرحيات القصيرة»، و هو مختبر يتعرف فيه المشاركون إلى عناصر العرض المسرحي وكيفية توظيفها بشكل صحيح، بما في ذلك التمثيل والسينوغرافيا. فالمسرح هو فن التعبير عن الواقع وعن الأفكار، وليس مجالاً لاستعراض البهرجة فقط، ولا بد أن تقوم تلك العملية بشكل علمي صحيح؛ فالتكنولوجيا إذا وُظفت بذكاء، يمكنها أن تبرز مشاعر الممثل وتوسع آفاق الخيال المسرحي. فالتقنيات الحديثة تمنح الممثل فضاءات تعبيرية جديدة تستوعب مكانته بشكل خلاق، فهو العنصر الذي لا يمكن الاستغناء عنه؛ إذ يمكن للمسرح أن يقوم بلا ديكور أو إضاءة، لكنه لا يمكن أن يقوم بلا ممثل وجمهور.
وحول ما إذا كانت هناك عودة للمسرح الفقير، يرى الهرش أن بناء العرض المسرحي يخضع للكثير من الرؤى والأفكار والتعامل الخلاق مع الخشبة؛ ففي بعض الأحيان يوظف مخرجون قطع ديكور بسيطة، لكنها تكون شديدة الإقناع، وبالمقابل، فإن توظيف القطع الكبيرة في بعض الحالات يكون مقحماً؛ إذ إن تأثيث الخشبة يحتاج إلى رؤية واضحة. وربما أن اتجاه بعض العروض مؤخراً نحو إبراز الممثل واستخدام ديكورات بسيطة، تم تفسيره كعودة للمسرح الفقير كبديل لـ«المسرح الثري» الذي يعتمد على فخامة الديكور، والمؤثرات البصرية، والتكنولوجيا، وانتصار للجوهر على حساب المظهر؛ إذ إن البهرجة هي «أقنعة» تشتت الانتباه عن جوهر العملية المسرحية، وهي العلاقة المباشرة بين الممثل والمتفرج.
ويكمل الهرش تلك الفكرة بالتأكيد على ضرورة الفكرة من وراء العمل، فهي التي تحكم نوع الديكور ومبررات توظيف التكنولوجيا، بحيث لا يعتمد العرض على الإبهار فقط؛ فلا بد من الإبداع القائم على طرح مقنع، ومن هنا يأتي التوظيف الخلاق والمبدع لعناصر التكنولوجيا بما يقدم إضافة حقيقية لا أن يخصم من العرض.