في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، أعاد البنك المركزي المصري رسم توقعاته لمسار التضخم خلال العامين الجاري والمقبل، في إشارة واضحة إلى استمرار التحديات التي تواجه الاقتصاد المحلي.
مخاوف من استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا
وتأتي هذه التقديرات الجديدة وسط مخاوف من استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والسلع عالميًا، إلى جانب تداعيات الصراعات الإقليمية على الأسواق الناشئة، وهو ما يدفع السلطات النقدية إلى تبني رؤية أكثر حذرًا بشأن مستقبل الأسعار في مصر.
رفع توقعات البنك المركزي لمعدلات التضخم مقارنة بالتقديرات السابقة
وكشف البنك المركزي المصري، في تقرير السياسة النقدية للربع الأول من عام 2026، عن رفع توقعاته لمعدلات التضخم مقارنة بالتقديرات السابقة الصادرة في تقرير الربع الرابع من 2025.
توقعات بأن يبلغ متوسط التضخم السنوي نحو 16% خلال عام 2026
وتوقع المركزي، وفق السيناريو الأساسي، أن يبلغ متوسط التضخم السنوي نحو 16% خلال عام 2026، على أن يتراجع إلى 12% في عام 2027، بعدما كانت التقديرات السابقة تشير إلى 11% و8% على التوالي.
وأوضح التقرير أن معدلات التضخم مرشحة للتسارع خلال الربع الثاني من العام الجاري، مع استمرار بقائها عند مستويات مرتفعة طوال 2026، قبل أن تبدأ رحلة التراجع التدريجي اعتبارًا من الربع الأول لعام 2027.
وأشار البنك المركزي إلى أن التضخم سيظل أعلى من المستهدف الرسمي المحدد عند 7% بزيادة أو انخفاض قدره نقطتان مئويتان، متوقعًا أن يعود إلى نطاق المعدلات الأحادية خلال النصف الثاني من عام 2027 وفقًا للسيناريو الأساسي.
وأكد التقرير أن مسار التضخم لا يزال معرضًا لمخاطر صعودية، خاصة في ظل استمرار التوترات والصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وما يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وزيادة تكاليف الشحن والتأمين.
وأضاف المركزي أن ارتفاع أسعار السلع الغذائية والأسمدة عالميًا قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية المستوردة، إلى جانب احتمالات تشديد السياسات النقدية في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على تدفقات رؤوس الأموال للأسواق الناشئة ومنها مصر.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى وجود عوامل قد تساعد على تهدئة التضخم مقارنة بالتوقعات الحالية، من بينها احتمالات التوصل إلى تسوية أسرع للتوترات الجيوسياسية وعودة الاستقرار لأسواق الطاقة، فضلًا عن تحسن حركة الملاحة في قناة السويس، بما ينعكس إيجابًا على سعر الصرف ويقلل الضغوط التضخمية.
كما طرح البنك المركزي سيناريو بديلًا يفترض استمرار الصراع لفترة أطول، بما يؤدي إلى زيادة تأثير صدمة الطاقة العالمية على الاقتصاد المحلي. ووفقًا لهذا السيناريو، من المتوقع أن يرتفع متوسط التضخم إلى 17% خلال 2026 و13% خلال 2027، رغم تبني أوضاع نقدية أكثر تشددًا.
وتعكس التقديرات الجديدة للبنك المركزي حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري في المرحلة الحالية، في ظل ارتباط الأسواق المحلية بالتطورات العالمية والإقليمية.
وبينما تراهن السياسة النقدية على احتواء الضغوط التضخمية تدريجيًا، تبقى التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الأسعار خلال الفترة المقبلة، ما يجعل السيطرة على التضخم هدفًا يتطلب توازنًا دقيقًا بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسواق.