تكامل وتجارة حرة لمواجهة التحديات .. الرئيس السيسي يرسخ ريادة مصر في قمة فرنسا

تكامل وتجارة حرة لمواجهة التحديات .. الرئيس السيسي يرسخ ريادة مصر في قمة فرنسا

تجسد مشاركة الرئيس السيسي في قمة إفريقيا وفرنسا المنعقدة بالعاصمة الكينية نيروبي نقطة تحول استراتيجية في مسار صياغة السياسات المالية الدولية تجاه القارة السمراء، حيث تأتي هذه المشاركة في توقيت بالغ التعقيد يشهده الاقتصاد العالمي الذي يعاني من اضطرابات هيكلية عميقة، مما فرض ضرورة وجود صوت مصري قوي يعبر عن تطلعات الشعوب الإفريقية في الحصول على تمويل عادل ومستدام يحقق التنمية المنشودة.

​وصل الرئيس السيسي اليوم إلى العاصمة الكينية نيروبي للمشاركة الفعالة في أعمال قمة إفريقيا وفرنسا، حيث حظي باستقبال رسمي مهيب من الرئيس الكيني ويليام روتو والفرنسي إيمانويل ماكرون بمركز كينياتا الدولي للمؤتمرات، وسط اهتمام إعلامي ودولي واسع بهذه القمة التي تهدف إلى وضع حلول جذرية لأزمات التمويل والتنمية التي تواجه دول القارة الأفريقية في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة والظروف الاقتصادية العالمية الصعبة.

​وحسب  المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية فقد حضر  الجلسة الافتتاحية التي شهدت خطابات هامة لكل من السكرتير العام للأمم المتحدة ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، حيث ركزت هذه الكلمات على ضرورة التكاتف الدولي لمواجهة تداعيات الأزمات الاقتصادية والمناخية، وتلى ذلك مشاركة سيادته في الصورة التذكارية الرسمية التي جمعت قادة الدول ورؤساء الوفود المشاركة في هذا الحدث التاريخي الهام بنيروبي لتعزيز أواصر التعاون المشترك.

​وقد بدت ملامح التقدير الدولي واضحة خلال مراسم الاستقبال والافتتاح حيث عكست الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها الرئيس السيسي دور مصر الريادي في القارة، خاصة وأن القمة تأتي في توقيت شديد الحساسية يتطلب تنسيقاً عالياً بين القوى الفاعلة في إفريقيا وأوروبا، مما جعل الوفد المصري يركز منذ اللحظات الأولى على طرح القضايا المصيرية التي تهم الشعوب الأفريقية وتطلعاتها نحو مستقبل أكثر استقراراً ورفاهية.

رؤية مصرية لإصلاح المنظومة المالية العالمية المتعثرة

​وانتقل الرئيس السيسي بعد ذلك للمشاركة في جلسة العمل الرئيسية التي خصصت لمناقشة إصلاح الهيكل المالي الدولي المتهالك، حيث استعرض سيادته رؤية مصر المتكاملة حول سبل تعزيز وصول الدول الأفريقية إلى التمويل المستدام والعادل، موضحاً أن النظام الحالي يحتاج إلى مراجعة شاملة لضمان توزيع الموارد بعدالة وتمكين القارة من مواصلة مسيرتها التنموية بعيداً عن أعباء الديون المرهقة التي تقيد طموحات الشعوب وتعرقل التقدم الاقتصادي.

​وأكد سيادته في مستهل كلمته خلال الجلسة على تقديم خالص الشكر لحكومة وشعب كينيا على حسن الاستقبال وكرم الضيافة، معرباً عن تقديره العميق للمبادرة الكينية الفرنسية المشتركة لعقد هذه القمة المهمة، مشيداً بالمداخلات القيمة التي استمع إليها والتي تشكل أساساً متيناً لإصلاح الهيكل المالي العالمي، بما يراعي شواغل الدول النامية بشكل حقيقي ويلبي طموحاتها المشروعة في تحقيق التنمية المنشودة بعيداً عن الشعارات والمماطلات الدولية التقليدية.

​وشدد سيادته على أن الإصلاح المطلوب يجب أن يتجاوز مجرد الوعود اللفظية ليصل إلى آليات تنفيذية ملموسة، تضمن تدفق الاستثمارات نحو القطاعات الحيوية في إفريقيا، وتوفر الحماية الكافية للاقتصادات الناشئة من الصدمات الخارجية المفاجئة، معتبراً أن استقرار النظام المالي العالمي هو صمام الأمان الوحيد لمنع انزلاق الدول نحو مزيد من الأزمات الاجتماعية والسياسية، وهو ما يتطلب إرادة سياسية دولية شجاعة لمراجعة السياسات التمويلية الحالية.

الترابط الوثيق بين تحقيق السلام واستقرار مسارات التنمية

​وركز الرئيس السيسي في حديثه على القاعدة الذهبية التي تؤكد أنه لا تنمية بدون سلام ولا سلام بدون تنمية، مشيراً إلى أن التوترات الجيوسياسية المتنامية في مختلف أنحاء العالم وبما فيها منطقة الشرق الأوسط، يترتب عليها آثار خطيرة تقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلباً وبشكل مباشر على أمن الطاقة والغذاء العالمي، مما يضع ضغوطاً إضافية لا تحتمل على كاهل الدول الإفريقية المنهكة اقتصادياً بالأساس.

​وأوضح سيادته أن الدول الإفريقية تبذل مساعي مضنية في سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها، في الوقت الذي تسعى فيه بكل طاقتها للحفاظ على انضباطها المالي وكبح جماح مستويات الدين العام، وهو تحدٍ مزدوج يتطلب دعماً دولياً غير مشروط، حيث أن الاضطرابات في مشهد الاقتصاد العالمي وتراجع تدفقات المساعدات الإنمائية جعلت من الصعب تحقيق التوازن المطلوب بين الاحتياجات التنموية العاجلة وبين الالتزامات المالية والديون السيادية المتراكمة.

​واعتبر سيادته أن تحقيق السلام المستدام في القارة والعالم مرتبط بشكل وثيق بقدرة المؤسسات الدولية على توفير بيئة اقتصادية عادلة، حيث أن الفقر والبطالة يشكلان بيئة خصبة للاضطرابات والنزاعات، مما يفرض على المجتمع الدولي تبني رؤية شاملة تعالج معضلة تمويل التنمية من جذورها، لضمان ألا تتحول الأزمات الاقتصادية إلى صراعات أمنية تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، وتستنزف موارد القارة الشابة التي تحتاج لكل جهد لبناء مستقبلها المأمول.

مبادرات مبتكرة لمواجهة أزمات الديون السيادية المتفاقمة

​وطرح سيادته ضرورة تبني رؤية شاملة تعالج معضلة تمويل التنمية من خلال تعزيز فاعلية آليات التمويل المتاحة واستحداث آليات جديدة ومبتكرة، مثل مبادرة مبادلة الديون بمشروعات تنموية خضراء وصديقة للبيئة، والتوسع في إصدار السندات الخضراء التي تهدف لتنفيذ مشروعات تحافظ على الموارد الطبيعية، مع تطوير سياسات البنوك متعددة الأطراف لتصبح أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات الدول الإفريقية في مواجهة التحديات التمويلية الكبرى التي تواجهها اليوم.

​وأشار سيادته بوضوح إلى ضرورة كسر الحلقة المفرغة لمعضلة الديون السيادية، خاصة في ظل المعاناة التي تعيشها العديد من الدول الإفريقية التي بات ينفق عدد كبير منها على خدمة الدين أكثر مما ينفق على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم، وهو ما يمثل عائقاً حقيقياً أمام الاستثمار في رأس المال البشري، ويحرم الأجيال القادمة من حقوقها الأساسية في التعلم والحصول على رعاية صحية لائقة ومستقبل كريم.

​وشدد سيادته على أن حشد التمويل من المصادر العامة والخاصة يجب أن يتواكب مع تخفيف عبء الديون، من خلال شراكات دولية حقيقية تقوم على مبدأ الربح للجميع، بحيث تتحول التزامات الديون إلى فرص استثمارية تساهم في بناء البنية التحتية وتوطين التكنولوجيا، مما يساعد الدول الإفريقية على الخروج من نفق المديونية المظلم نحو آفاق رحبة من النمو المستدام، ويخلق توازناً مطلوباً في الموازنات العامة للدول النامية المثقلة بالأزمات.

تفعيل التجارة الحرة وتوطين الصناعات في القارة الأفريقية

​وفي سياق الحديث عن مستقبل القارة، أكد الرئيس السيسي على الأهمية القصوى لتشجيع صادرات الدول النامية إلى الأسواق الخارجية العالمية، ودعم فرص نمو الصناعات الوليدة داخل القارة الإفريقية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، مشدداً على ضرورة التعاون الدولي الجاد لدعم تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، من خلال تطوير سلاسل الإمداد البينية وبناء قدرات ومهارات الشباب الأفريقي الذي يمثل الثروة الحقيقية للقارة التي يجب استثمارها بالشكل الأمثل.

​وأوضح سيادته أن تفعيل الاتفاقية القارية سيسهم بشكل كبير في خلق سوق أفريقية مشتركة ضخمة، تزيد من جاذبية القارة للاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوفر ملايين فرص العمل للشباب، وهو ما يتطلب دعماً فنياً ومالياً لتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، وتسهيل حركة البضائع والخدمات بين الدول الأفريقية، لضمان تحقيق الاندماج الاقتصادي الذي طالما حلمت به شعوب القارة لتحويل مواردها الطبيعية الشاسعة إلى قيمة مضافة حقيقية تدعم اقتصاداتها الوطنية.

​وأشار سيادته إلى أن مصر تضع كافة خبراتها وإمكانياتها في خدمة أهداف التكامل الأفريقي، مؤمناً بأن القوة الاقتصادية للقارة تكمن في وحدتها وتكامل أسواقها، وأن التعاون مع الشركاء الدوليين مثل فرنسا يجب أن يركز على نقل المعرفة والتكنولوجيا لتطوير الصناعات التحويلية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، مما يضمن توزيعاً عادلاً للثروات وتحقيق نهضة صناعية شاملة تعيد تموضع إفريقيا على خارطة الاقتصاد العالمي كقوة منتجة ومؤثرة.

النموذج المصري للإصلاح الاقتصادي كبوابة واعدة للمستقبل

​واستعرض سيادته التجربة المصرية الرائدة، مشيراً إلى أنه رغم تعاقب الأزمات الإقليمية والدولية المتلاحقة، استطاعت مصر أن تواصل برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادي، من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات الجريئة لضبط السياسات المالية والنقدية وتطوير البيئة التشريعية، وتقديم حوافز جاذبة للاستثمار بالتوازي مع تطوير بنيتها التحتية العملاقة في مجالات الطرق والاتصالات والنقل واللوجستيات، بما يجعل من مصر بوابة رئيسية وحيوية للدخول إلى أسواق القارة الإفريقية الواعدة.

​وأكد سيادته تطلع مصر لتعزيز التعاون مع فرنسا وكافة الشركاء الدوليين والإقليميين، لمواصلة تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة في مصر والدول الإفريقية، مستعرضاً الفرص والإمكانيات الواعدة التي تمتلكها القارة الشابة للمستقبل، حيث تعتبر مصر نفسها جزءاً لا يتجزأ من طموح هذه القارة، وتعمل بجد لتكون جسراً يربط بين الاستثمارات العالمية وبين الفرص الكبيرة والمتاحة في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية في ربوع إفريقيا الشاسعة.

​وشدد سيادته على أن النجاح المصري في مواجهة التحديات الاقتصادية يمثل نموذجاً يمكن الاستفادة منه في دول القارة، مع التأكيد على ضرورة تكييف الحلول بما يتناسب مع خصوصية كل دولة، موضحاً أن الإرادة السياسية والإصلاح الهيكلي هما الركيزتان الأساسيتان لتحقيق الطفرة التنموية، وأن مصر تفتح أبوابها للتعاون والشراكة لبناء مشروعات عملاقة تعود بالنفع على القارة بأكملها، وتعزز من قدرتها على الصمود في وجه المتغيرات الاقتصادية العالمية المتقلبة.

دعوة للتكاتف الدولي من أجل حوكمة اقتصادية عادلة

​واختتم الرئيس السيسي كلمته بتأكيد أن التعامل مع المشهد الاقتصادي العالمي المضطرب يتطلب تكاتفاً دولياً حقيقياً لتعزيز حوكمة الاقتصاد العالمي، وإحداث نقلة نوعية وجذرية في تطوير مؤسساته التمويلية الدولية، لتمكين الجميع من وضع حلول منصفة للإشكاليات القائمة على نحو يلبي طموحات الشعوب ويحقق التنمية المنشودة، موجهاً الشكر للقادة المشاركين على سعة صدرهم واهتمامهم بمناقشة هذه القضايا الحيوية والمصيرية التي تمس حياة الملايين في القارة الأفريقية.

​وأشار سيادته إلى أن العدالة في توزيع الفرص التمويلية هي السبيل الوحيد لتقليص الفجوة بين الشمال والجنوب، وأن المؤسسات المالية الدولية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتبني معايير أكثر إنصافاً، تأخذ في الاعتبار التحديات البيئية والاجتماعية التي تواجهها الدول النامية، معتبراً أن نجاح هذه القمة يكمن في قدرة القادة على تحويل هذه الكلمات والنقاشات إلى خطط عمل وجداول زمنية محددة للتنفيذ على أرض الواقع لخدمة الإنسانية.

​وقد تركت كلمة سيادته صدى واسعاً بين الحضور حيث عكست التزام مصر التاريخي بالدفاع عن مصالح القارة الأفريقية في كافة المحافل الدولية، مبرزةً الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها الدولة المصرية لتحقيق النهضة الشاملة من خلال التعاون البناء والاحترام المتبادل بين الدول، مما يؤكد أن صوت مصر سيظل دائماً مرتفعاً بالمطالبة بالحقوق التنموية العادلة لكل شعوب القارة السمراء التي تتطلع للعيش في سلام ورخاء دائمين.

S