تجه الأنظار العالمية، غداً الأربعاء، إلى العاصمة الصينية بكين، إذ يبدأ الرئيس الأمريكي دونالد زيارة رسمية إلى الصين. ويتوقع أن تتصدر النقاشات ملفات حرب إيران، العلاقات التجارية، وقضية تايوان.
مرحلة معقدة من العلاقات الثنائية
وتكتسب الزيارة أهمية استثنائية كونها تأتي في ظل مرحلة معقدة من العلاقات التي تتأرجح بين التنافس الحاد ومحاولات احتواء التصعيد، وسط أزمات دولية متشابكة تمتد من التجارة والتكنولوجيا إلى الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية.
ويعقد ترمب سلسلة لقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ وكبار المسؤولين، في وقت يترقب فيه العالم ما إذا كانت القمة ستنجح في فتح صفحة أكثر هدوءاً بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر عالمياً، أو أنها ستكون مجرد محطة لاحتواء الخلافات دون التوصل إلى تفاهمات استراتيجية بعيدة المدى.
زيارة في توقيت بالغ الحساسية
تأتي زيارة ترمب في وقت تمر فيه العلاقات بين واشنطن وبكين بحالة من “التهدئة الحذرة”، بعد أشهر من التوترات التجارية والسياسية المتصاعدة. فمنذ عودة الإدارة الأمريكية الحالية، أعادت واشنطن فرض ضغوط اقتصادية وتجارية على الصين، شملت تشديد القيود على التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات، إلى جانب مراجعة اتفاقيات التجارة والاستثمار بين البلدين.
في المقابل، ردت بكين بإجراءات مضادة استهدفت بعض الصادرات الأمريكية، إضافة إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع شركاء آسيويين وأوروبيين لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. ورغم ذلك، حرص الجانبان خلال الأشهر الأخيرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لتجنب الانزلاق نحو مواجهة اقتصادية مفتوحة.
الاقتصاد والتجارة في صدارة المباحثات
سيكون الملف الاقتصادي العنوان الأبرز في قمة ترمب وشي، وتشير التوقعات إلى أن المباحثات ستركز على إعادة صياغة العلاقة التجارية، ومحاولة تخفيف حدة النزاع الجمركي الذي عاد إلى الواجهة خلال الأشهر الماضية.
وتتوقع دوائر اقتصادية أمريكية أن يسعى ترمب إلى انتزاع تنازلات صينية تتعلق بزيادة الواردات من المنتجات الأمريكية، خصوصاً في مجالات الزراعة والطاقة والطيران، بما يسهم في تقليص العجز التجاري مع الصين.
ويُرجح أن تناقش القمة إمكانية إبرام صفقات اقتصادية ضخمة تشمل شراء طائرات من Boeing، إلى جانب اتفاقات تتعلق بالغاز الطبيعي والطاقة والتكنولوجيا الصناعية، في محاولة لإعطاء دفعة جديدة للعلاقات الاقتصادية بين الجانبين.
معركة التكنولوجيا وأشباه الموصلات
وستكون الحرب التكنولوجية المتصاعدة بين البلدين إحدى أكثر القضايا تعقيداً على جدول الأعمال، خصوصاً في ما يتعلق بأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
فالولايات المتحدة تواصل فرض قيود صارمة على تصدير الرقائق الإلكترونية المتطورة إلى الصين، وسط مخاوف أمريكية من استخدام هذه التكنولوجيا في تطوير القدرات العسكرية والذكاء الاصطناعي الصيني. وفي المقابل، تعتبر بكين أن هذه القيود تمثل محاولة لعرقلة صعودها الاقتصادي والتكنولوجي.
ويتوقع أن تطالب الصين خلال القمة بتخفيف بعض القيود المفروضة على شركاتها التكنولوجية، فيما قد تسعى واشنطن للحصول على ضمانات تتعلق بحماية الملكية الفكرية ومنع نقل التكنولوجيا بشكل غير قانوني.
وسيكون ملف المعادن النادرة حاضراً بقوة في المحادثات، خصوصاً أن الصين تسيطر على نسبة كبيرة من إنتاج هذه المعادن الحيوية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة القيود الأمريكية.
تايوان.. العقدة الأكثر حساسية
ورغم أهمية الملفات الاقتصادية، تبقى قضية تايوان الملف الأكثر حساسية في العلاقات بين البلدين. ويتوقع أن يكرر الرئيس الصيني موقف بلاده الرافض لأي دعم أمريكي سياسي أو عسكري لتايوان، التي تعتبرها بكين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها. فيما تؤكد واشنطن استمرار التزامها بدعم تايوان دفاعياً، ما يجعل هذا الملف أحد أبرز مصادر التوتر بين القوتين.
ويرجح خبراء أن يسعى الطرفان خلال القمة لتجنب التصعيد المباشر بشأن تايوان، والتركيز بدلاً من ذلك على إدارة الخلاف ومنع تحوله إلى أزمة عسكرية مفتوحة، خصوصاً في ظل التوترات العسكرية المتزايدة في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ.
ملفات الشرق الأوسط وأوكرانيا
القضايا الدولية ستكون أيضاً جزءاً مهماً من أجندة القمة، وعلى رأسها الحرب في إيران وأوكرانيا.
وتأمل واشنطن في أن تلعب الصين دوراً أكثر فاعلية في الضغط على بعض الأطراف الإقليمية خصوصاً إيران لخفض التوترات، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الملاحة والطاقة العالمية. وتسعى إدارة ترمب إلى استكشاف إمكانية التعاون مع بكين في ملفات الاستقرار الإقليمي ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.
ويتوقع أن تستغل الصين القمة لتأكيد موقفها الداعي إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، ورفض ما تعتبره “الهيمنة الأمريكية” على القرارات الدولية.
توقعات حذرة ونتائج محدودة
وتستبعد التقديرات الدولية حدوث اختراقات استراتيجية كبرى في الملفات الخلافية العميقة. ويرى خبراء أن القمة قد تنجح في تحقيق هدف أكثر واقعية يتمثل في “منع الانفجار” وإدارة التنافس بين واشنطن وبكين ضمن حدود يمكن التحكم بها، بدلاً من الوصول إلى تسويات جذرية.
ويتوقع أن تخرج الزيارة بإعلانات اقتصادية واتفاقات محدودة يمكن للطرفين تقديمها باعتبارها مؤشرات إيجابية على استمرار الحوار والتعاون، دون أن يعني ذلك نهاية الخلافات الهيكلية بينهما.
ويعتقد مراقبون أن نجاح الزيارة سيقاس بدرجة القدرة على خفض التوترات وطمأنة الأسواق العالمية، أكثر من قياسه بحجم الاتفاقات المعلنة، خصوصاً في ظل إدراك متبادل بأن أي صدام مباشر بين الولايات المتحدة والصين ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد والأمن الدوليين.