القمة الإفريقية الفرنسية بدأت أعمالها في العاصمة الكينية نيروبي بحضور لافت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث حرص في مستهل كلمته على وضع النقاط فوق الحروف بشأن طبيعة العلاقات المستقبلية، ودعا إلى ضرورة التحول الجذري نحو منطق الاستثمار الاقتصادي المتبادل، بدلا من الاعتماد على المساعدات التنموية العامة التي لم تعد الدول الأوروبية قادرة على توفيرها بنفس السخاء السابق، نتيجة الأزمات المالية العالمية الحالية التي ترهق الميزانيات الغربية وتدفعها للمراجعة.
حسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط ووكالات أنباء عالمية فإن تحركات ماكرون في نيروبي تعكس رغبة عميقة في تغيير الانطباعات السائدة حول الدور الفرنسي في القارة، حيث أكد الرئيس أن أوروبا لم تعد قادرة على تقديم المساعدات السخية كما كان في السابق، مما يستوجب صياغة شراكات جديدة تعتمد على القطاع الخاص، وخلق الفرص الاقتصادية الحقيقية التي تساهم في بناء سيادة الدول الإفريقية، وتحقيق نموها المستقل بعيداً عن التبعية التقليدية.
وأشار ماكرون خلال حديثه في جامعة نيروبي إلى أن القمم التقليدية التي كانت تعتمد على إملاء الحلول من الجانب الفرنسي قد انتهت إلى غير رجعة، لأن القادة الأفارقة وعلى رأسهم الرئيس الكيني ويليام روتو لم يعد لديهم الرغبة في سماع وعود المساعدات التقليدية، بل يتطلعون إلى تعاون اقتصادي يحترم الخصوصية الوطنية، ويحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف المعنية بالتنمية المستدامة، في ظل التنافس الدولي المحموم على موارد القارة.
وشدد الرئيس الفرنسي في كلمته الافتتاحية على أن أفريقيا تحقق اليوم نجاحات ملموسة على أرض الواقع، وهي لا تحتاج لوعود المساعدة بل لضخ استثمارات حقيقية تمكنها من بناء اقتصاديات سيادية وقوية، مشيرا في الوقت ذاته إلى تراجع القدرات المالية لفرنسا والدول الغربية، التي تواجه تحديات داخلية كبرى في ماليتها العامة، مما يفرض واقعا جديدا يتطلب شراكات قائمة على المصالح المشتركة، والربح المتبادل بين ضفتي البحر المتوسط والقارة السمراء.
ماكرون يدعو لتجاوز المساعدات في فعاليات القمة الإفريقية الفرنسية
واستشهد ماكرون برؤية الرئيس الكيني ويليام روتو التي تؤكد أن القارة الإفريقية لم تعد ترغب في سماع الأسطوانات القديمة المتعلقة بالمعونات والمنح، بل تفتح أبوابها للمستثمرين الذين يساهمون في بناء البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا وتطوير المهارات المحلية، لضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة، في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي، والحاجة الماسة لخلق وظائف لجيل الشباب الإفريقي المتنامي، الذي يتطلع لمستقبل أفضل وأكثر استقراراً وازدهاراً.
ولفت الرئيس الفرنسي الانتباه إلى أنه بادر منذ وصوله للسلطة عام 2017 إلى إدانة الاستعمار بقوة، معتبراً أن الانتقادات الموجهة للأوروبيين حاليا تنطوي على مفارقة غريبة لأنهم يدافعون عن النظام الدولي، وتعددية الأطراف وسيادة القانون والتجارة الحرة المفتوحة، بينما تتجه قوى عظمى أخرى مثل الولايات المتحدة والصين نحو منطق المواجهة التجارية العنيفة، دون احترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة للأسواق، مما يهدد استقرار النظام التجاري العالمي.
وأكد ماكرون أن بلاده تسعى لأن تكون شريكاً موثوقاً يحترم قواعد التجارة الحرة، ولا يسعى لفرض منطق المواجهة التي تضر بمصالح الدول النامية، وتعرقل مسارات التنمية المستدامة التي تنشدها الشعوب الإفريقية، حيث يرى أن التعاون مع فرنسا يمثل ضمانة للاحترام المتبادل، والعمل المشترك من أجل تحقيق الاستقرار والازدهار، في منطقة جغرافية تعد هي المستقبل الحقيقي للاقتصاد العالمي في العقود القادمة، بفضل مواردها البشرية والطبيعية الهائلة.
ماكرون يركز على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في أفريقيا
القمة الإفريقية الفرنسية شهدت تأكيداً من الرئيس الكيني ويليام روتو على الحاجة الماسة لتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات التعليم المتطورة، والبنى التحتية الرقمية بهدف مواكبة الثورة التكنولوجية العالمية، خاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد المستقبلي، ومحركا رئيسيا للابتكار الذي يمكن أن يغير وجه القارة الإفريقية، ويخلق ملايين الفرص للشباب الإفريقي الطموح، الذي يسعى للانخراط في الاقتصاد الرقمي العالمي بفاعلية وكفاءة عالية.
ويشارك في هذا التجمع الاقتصادي الكبير وفد ضخم من مديري كبريات الشركات الفرنسية العالمية، مثل شركة شحن الحاويات العملاقة سي إم إيه – سي جي إم برئاسة رودولف سعادة، لتعزيز الروابط التجارية وتوقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية، حيث تسعى هذه الشركات لتوسيع نطاق حضورها في الأسواق الناشئة بشرق أفريقيا، التي تتميز بمعدلات نمو مرتفعة وبيئة استثمارية جاذبة ومستقرة سياسيا، مما يعزز من فرص النجاح التجاري المتبادل.
وشهدت القمة وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى نيروبي للمشاركة الفعالة في صياغة هذه الشراكة الجديدة، بجانب قادة ومسؤولين بارزين من بينهم رئيس الحكومة التونسية، وممثلين عن دول السنغال وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية، مما يعكس الزخم الكبير الذي تحظى به القمة، ورغبة الدول الإفريقية المحورية في إعادة تعريف علاقاتها مع القوى الدولية على أسس اقتصادية بحتة، وتنموية شاملة تخدم مصالح شعوب القارة كافة.
ماكرون يطرح آليات تمويل مبتكرة لدعم المشروعات الإفريقية
وصرح وزير الخارجية الكيني موساليا مودافادي بأن القادة الأفارقة يستغلون فعاليات القمة الإفريقية الفرنسية لإعادة النظر في معايير تقييم المخاطر المتبعة في القارة، والتي غالبا ما تعيق تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، حيث تهدف هذه التحركات لفتح الطريق أمام استثمارات ضخمة في القطاعات الرئيسية، التي تسهم بشكل مباشر في خلق فرص العمل، وتحفيز الدورة الاقتصادية في البلاد الإفريقية المختلفة، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وتسهم مشاركة مؤسسات إقراض عالمية وإقليمية مرموقة مثل البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، والبنك الأفريقي للتنمية في وضع آليات تمويل مبتكرة وأكثر مرونة لدعم المشروعات الكبرى، مما يقلل من كلفة التمويل ويوفر ضمانات للمستثمرين الفرنسيين والأجانب، للدخول في شراكات طويلة الأمد تخدم أهداف التنمية المستدامة، وتساهم في تقليص فجوات البنية التحتية والخدمات الأساسية في القارة، بما يحقق التكامل الاقتصادي المنشود بين الدول الإفريقية.
وتعتبر فرنسا حاليا رابع أكبر مستثمر دولي في القارة الإفريقية، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الخارجية الفرنسية إلى أن حجم التجارة البينية تجاوز 65 مليار يورو بحلول عام 2024، مع تضاعف عدد فروع الشركات الفرنسية العاملة في أفريقيا خلال العقد ونصف الأخير، مما أدى لخلق أكثر من نصف مليون وظيفة مباشرة لليد العاملة المحلية في مختلف القطاعات الاقتصادية، وهو ما يثبت جدوى الحضور الاقتصادي الفرنسي.
ماكرون يعلن إنهاء حقبة النفوذ في القمة الإفريقية الفرنسية
وأعلن ماكرون صراحة خلال مؤتمر صحافي مشترك أن حقبة مجال نفوذ بلاده التقليدي في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية قد انتهت تماما، مبررا بذلك قراره الاستراتيجي بعقد هذه القمة الهامة في كينيا الناطقة بالإنجليزية، لتكون منطلقا لسياسة فرنسية جديدة تتسم بالانفتاح على كافة مناطق القارة دون تمييز لغوي أو تاريخي، والتركيز على المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة التي تفرض واقعاً جديداً على الجميع.
وعلى الرغم من غياب قادة مالي وبوركينا فاسو والنيجر عن القمة الإفريقية الفرنسية بسبب الانقلابات العسكرية، وتراجع دور باريس العسكري في منطقة الساحل، إلا أن ماكرون أكد حضور 35 رئيس دولة وحكومة، مما يثبت أن فرنسا لا تزال تمتلك خيارات دبلوماسية واقتصادية واسعة للانخراط مع القارة، بعيدا عن الأزمات الأمنية والسياسية التي تعصف ببعض المناطق، التي كانت تعد سابقا معاقل لنفوذها التقليدي الذي تراجع بفعل المتغيرات المحلية.
ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية الدكتور محمد تورشين أن القمة تمثل أداة تقارب حقيقية تقوم على المصالح المتبادلة، بدلا من الهيمنة العسكرية والسياسية التي أصبحت من الماضي، حيث تدرك الدول الإفريقية اليوم أن الاستفادة من الخبرات والإمكانات الفرنسية، في إطار نظام عالمي متعدد الأقطاب، يمنحها قدرا من الاستقرار الاقتصادي والنمو المستدام، بعيدا عن سياسات المحاور والاصطفافات التقليدية التي عفا عليها الزمن ولم تعد تجدي نفعاً.
ماكرون يستكشف أسواقاً جديدة عبر القمة الإفريقية الفرنسية
وتشير التحليلات إلى أن فرنسا تسعى من خلال هذه الاستراتيجية الجديدة لاستكشاف أسواق بكر وواعدة في شرق أفريقيا، مثل إثيوبيا التي سيزورها ماكرون في ختام جولته، بالإضافة لدول ذات ثقل سكاني واقتصادي مثل نيجيريا وغانا وموزمبيق، حيث تتوفر فرص هائلة للاستثمار في قطاعات النفط والمعادن والطاقة المتجددة، والخدمات المصرفية التي تشهد نموا متسارعا يتطلب شراكات تكنولوجية وتمويلية متطورة توفرها الشركات الفرنسية الرائدة في هذه المجالات الحيوية والهامة.
وقد توجت التحركات الفرنسية في نيروبي بتوقيع شركة شحن فرنسية رائدة لاتفاقية شراكة استراتيجية مع الحكومة الكينية بقيمة 700 مليون يورو، لتطوير البنى التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، مما يعد دليلا ملموسا على جدية التوجه الفرنسي نحو تعزيز الحضور الاقتصادي الفعلي، وتحويل الوعود السياسية إلى مشاريع قائمة على الأرض، تخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، وتربط الأسواق الإفريقية بالعالم بشكل أكثر كفاءة وسرعة، وبأقل التكاليف الممكنة.
إن القمة الإفريقية الفرنسية تكرس اليوم لشراكة متجددة ورابحة للجميع وفق ما عبر عنه ماكرون، حيث يبدو أن باريس قد استوعبت الدرس جيدا، وقررت التحرك بمرونة أكبر في قارة تتغير بسرعة وتزداد فيها حدة التنافس الدولي، مما يفرض عليها تقديم نماذج تعاون جذابة ومبنية على الاحترام المتبادل، والندية الاقتصادية لضمان مكانتها في مستقبل القارة الإفريقية الواعد، وتحقيق تطلعات الشعوب في حياة كريمة ومستقبل مزدهر للجميع.
وأكد ماكرون في ختام فعاليات اليوم الأول حماسه الكبير لهذه الشراكة المتجددة، التي تعطي القوة لنيروبي وللقارة بأكملها من خلال بناء جسور التواصل بين رجال الأعمال والمبدعين، حيث يطمح الإليزيه لأن تكون هذه القمة نقطة انطلاق لعهد جديد، يتسم بالاحترام المتبادل والعمل المشترك من أجل تحقيق الاستقرار والازدهار، بعيداً عن صراعات الماضي، وبرؤية تتطلع لمستقبل مشرق يعتمد على التكنولوجيا والابتكار والشراكة الاقتصادية الحقيقية بين الطرفين.