تحت وطأة النسيان الدولي المتعمد، وفيما تنشغل شاشات العالم بصراعات القوى الكبرى، ينفجر اليوم لغم “الاستنزاف الصامت” في قلب الجغرافيا العربية، حيث يدخل السودان واليمن عام 2026 وهما يرزحان تحت أنقاض حروب أهلية لم تعد مجرد صراعات داخلية على السلطة، بل تحولت إلى ثقوب سوداء تبتلع مقدرات الاستقرار وتصدر الفوضى العابرة للحدود.
إننا لا نتحدث هنا عن أرقام إحصائية جافة لضحايا القصف والمجاعة، بل عن زلزال يضرب أسس الأمن القومي العربي، حيث تحول ساحل البحر الأحمر من شريان للتجارة العالمية إلى مسرح لعمليات القرصنة والحروب بالوكالة، وتحولت الحدود السودانية الممتدة إلى ممرات مفتوحة لتهريب السلاح والجريمة المنظمة، مما يضع دول الجوار أمام تحديات وجودية تتجاوز قدرتها على الاحتواء الاقتصادي أو الأمني. وبينما تسجل المنظمات الدولية نزوح أكثر من 13 مليون سوداني وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في اليمن، تبرز الحقيقة المرة في مطلع هذا العام؛ وهي أن إهمال هذه القروح المشتعلة لم يعد خياراً، لأن نيرانها بدأت تلامس عصب المصالح الاستراتيجية العربية من مضيق باب المندب وصولاً إلى منابع النيل.
نزيف الخرطوم وصداع الحدود الجنوبية
في قلب العاصمة السودانية التي استعادت بعض أحيائها ملامح الحياة الشاحبة مطلع عام 2026، لا يزال صدى الرصاص يكتب تفاصيل القصة اليومية لمواطن وجد نفسه وقوداً لحرب “تكسير العظام” بين الجيش وقوات الدعم السريع. التقرير الميداني يوثق أن السودان دخل عامه الرابع من النزاع وهو يعاني من تآكل مؤسسي مخيف، حيث لم تنجح الهدنات الهشة التي رعتها “الرباعية الدولية” في فرض واقع مستدام، بل أدت إلى خلق مناطق نفوذ معزولة تهدد بتقسيم البلاد فعلياً إلى دويلات فاشلة.
هذا التشظي ليس شأناً سودانياً خالصاً، بل هو الخطر الأكبر الذي يواجه الأمن القومي العربي، فمع انهيار الدولة المركزية في الخرطوم، تحولت مساحات شاسعة في دارفور وكردفان إلى بؤر تجذب الجماعات المسلحة العابرة للصحراء الكبرى، ما يجعل الحدود المصرية الليبية والحدود مع تشاد في حالة استنفار دائم.
التقارير الاستخباراتية المسربة تشير إلى أن شبكات تهريب البشر والجريمة المنظمة وجدت في الفراغ الأمني السوداني فرصة ذهبية، حيث يتم تدوير السلاح المهرب من بؤر الصراع وتوجيهه نحو عمق الدول العربية المستقرة، مما يستنزف الميزانيات الدفاعية لدول الجوار التي باتت تنفق المليارات لتأمين حدودها من “عدوى الفوضى” السودانية التي تبدو بلا نهاية في الأفق القريب.
اليمن بين فكي الكماشة وتحدي الملاحة الدولية
على الجانب الآخر من البحر الأحمر، يبدو المشهد اليمني في عام 2026 أكثر تعقيداً، حيث تحولت حالة “لا حرب ولا سلم” إلى أداة لابتزاز الاقتصاد العالمي واستنزاف الجهد العربي. القصة هنا لا تقتصر على المعاناة الإنسانية التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في التاريخ الحديث، بل في تحول اليمن إلى قاعدة متقدمة لتهديد الممرات المائية الحيوية. إن استمرار سيطرة الجماعات المسلحة على موانئ استراتيجية واستخدامها كمنصات لإطلاق الطائرات المسيرة والصواريخ تجاه السفن التجارية، يضرب في مقتل مفهوم الأمن القومي العربي المرتبط بحرية الملاحة في باب المندب.
هذا “الاستنزاف الصامت” أدى إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية في عواصم عربية تبعد آلاف الكيلومترات عن صنعاء، حيث اليمن اليوم لم يعد مجرد أزمة إنسانية تتطلب قوافل إغاثة، بل أصبح خنجراً في خاصرة الاستقرار البحري، حيث تتقاطع فيه مصالح قوى إقليمية تسعى لتحويل اليمن إلى ورقة ضغط دائمة في أي مفاوضات دولية، مما يجعل استعادة الدولة اليمنية الموحدة ضرورة قصوى لتأمين الحزام الأمني الجنوبي للمنطقة العربية برمتها.
القنبلة الديموجرافية وتآكل النسيج الاجتماعي
لا تتوقف تداعيات الحروب المنسية عند حدود العسكر والسياسة، بل تمتد لتضرب العمق المجتمعي العربي عبر موجات نزوح هي الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية. في مطلع 2026، تشير بيانات منظمة الهجرة الدولية إلى أن ثلث سكان السودان باتوا نازحين أو لاجئين، حيث استقبلت دول الجوار، وعلى رأسها مصر وتشاد وجنوب السودان، ملايين الفارين من جحيم القتال. هذا اللجوء الكثيف يضع ضغوطاً هائلة على البنى التحتية والمنظومات الاقتصادية لدول تعاني أصلاً من أزمات تضخم عالمية. إن تحول الملايين من طاقات منتجة في بلدانهم إلى كتل بشرية تعتمد على الإغاثة يمثل تهديداً طويل الأمد لـ الأمن القومي العربي، فالفراغ التعليمي والفقر المدقع في مخيمات النزوح يخلق بيئة خصبة للاستقطاب الفكري والتطرف. القصة المأساوية تكتمل حين نرى أجيالاً كاملة في اليمن والسودان تنمو خارج أسوار المدارس، ما يعني أننا بصدد تصدير أزمات اجتماعية وجنائية ستنفجر في وجه المنطقة خلال العقد القادم، ما لم يتم وضع خطة “مارشال عربية” لإعادة إعمار هذه الدول وإعادة توطين سكانها في بيئة آمنة تضمن لهم الكرامة والعمل.
صراع الموارد وحرب المياه الصامتة
في ظل الانشغال بالرصاص والمدافع، تبرز في عام 2026 أزمة صامتة أخرى تتمثل في الصراع على الموارد الطبيعية والمياه، والتي تعد ركيزة أساسية في مفهوم الأمن القومي العربي.
السودان، الذي كان يُنظر إليه يوماً على أنه “سلة غذاء العرب”، تحول بفعل الحرب إلى أرض محروقة تتعطل فيها المشروعات الزراعية الكبرى ومشاريع الري المشترك.
إن عدم استقرار السودان يعقد ملفات حيوية مثل إدارة مياه النيل، حيث يغيب الطرف السوداني القوي القادر على التفاوض وحماية الحقوق المائية المشتركة، مما يفتح الباب أمام قوى إقليمية أخرى لفرض أمر واقع يهدد الحصص المائية لدول المصب. وفي اليمن، أدت الحرب إلى تدمير مئات السدود التقليدية ومنظومات تحلية المياه، مما دفع البلاد نحو حافة العطش الشامل، وهو ما سيؤدي حتماً إلى موجات نزوح داخلية وخارجية جديدة بدافع “البحث عن قطرة ماء”. هذا التداخل بين الندرة الطبيعية والنزاع المسلح يخلق دائرة مفرغة من العنف، حيث تصبح السيطرة على آبار المياه ومناجم الذهب في السودان هدفاً عسكرياً للميليشيات، مما يحرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تسهم في استقرار العملة الوطنية ومنع الانهيار الاقتصادي الشامل.
سيناريوهات 2026.. نحو رؤية دفاعية موحدة
تؤكد المعطيات الراهنة في مطلع عام 2026 أن المقاربات التقليدية لحل الأزمات في السودان واليمن قد وصلت إلى طريق مسدود، وأن استمرار سياسة “إدارة الصراع” بدلاً من حله هو انتحار استراتيجي. التقرير يخلص إلى أن أي تهاون في استعادة سيادة الدولة الوطنية في هذين البلدين سيعني بالضرورة تفكك منظومة الأمن القومي العربي لصالح الفواعل غير الدولتية والميليشيات العابرة للحدود.
السيناريو الأكثر ترجيحاً، في ظل التحركات السعودية المصرية الأخيرة، يشير إلى ضرورة تشكيل قوة ضغط عربية موحدة قادرة على فرض ممرات آمنة للمساعدات، والضغط عسكرياً وسياسياً لإنهاء عبث السلاح. إن العالم الذي يراقب بصمت احتراق السودان واليمن لن يتحرك لإنقاذهما إلا إذا شعر أن مصالحه الحيوية مهددة، وهنا تبرز أهمية تحويل هذه الأزمات من “ملفات منسية” إلى قضايا دولية ملحة عبر ربط استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي باستقرار الاقتصاد العالمي. الخلاصة المرة هي أن الأمن لا يتجزأ، وأن الرصاصة التي تنطلق في شوارع الخرطوم أو جبال تعز، ترتد أصداؤها في النهاية خللاً أمنياً واقتصادياً يطال كل بيت عربي من المحيط إلى الخليج.