قصائد بين لوحات عمرها 500 عام.. كيف تحول متحف فى لندن إلى ديوان شعر

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

يقف الشاعر أمام لوحة من عصر النهضة الإيطالية، يتأمل الوجوه والألوان والحكاية التى تركها فنان قبل قرون، ثم يبدأ فى قراءة قصيدة جديدة ولدت من الصورة نفسها، فيتحول العمل التشكيلى من قطعة معلقة على جدار إلى نقطة انطلاق لنص أدبى معاصر، ويجد زائر المتحف نفسه أمام حوار بين فنانين يفصل بينهما نحو خمسة قرون.

اقرأ أيضا: “اللهم افتح لنا خزائن رحمتك”، دعاء صلاة الفجر للرزق وتيسير الأمور

وبحسب ما نشرته ناشيونال جاليرى National Gallery فى لندن، استضافت مساء الجمعة 24 يوليو 2026 جولة شعرية داخل القاعة 61 قادها الشاعر والفنان الأدائى SJ Fowler، بمشاركة مجموعة من شعراء Writers’ Kingston، وقدم المشاركون قصائد جديدة كتبت استجابة للوحات من بدايات عصر النهضة الإيطالية، فى محاولة لتقديم قراءات مختلفة لمعانى الأعمال وتاريخها ومكانتها. وأقيمت الفعالية ضمن برنامج Friday Lates من السابعة حتى السابعة و45 دقيقة مساء.

الشعراء يقرأون القصائد بين اللوحات

شارك فى الجولة إلى جانب SJ Fowler كل من Sofia Barth وEve Davis وColin Herd وDuya Ribeiro، وهم ضيوف مرتبطون بمشروع Writers’ Kingston وجامعة كينجستون وخارجها. وجرت القراءات داخل قاعات المتحف نفسها، ليقف الجمهور أمام اللوحة التى استجابت لها القصيدة أثناء سماع النص، وهو ما يمنح المتلقى فرصة للجمع بين ما تقوله الصورة وما يضيفه الشاعر إليها بعد مئات السنين من إنجازها.

لماذا اختاروا لوحات عصر النهضة؟

خصصت الجولة جانبًا من اهتمامها لبعض الأعمال الإيطالية المبكرة فى مجموعة ناشيونال جاليرى، وتحتضن القاعة 61 حاليًا مجموعة تحمل عنوان «تشكيل مثال عصر النهضة: رافائيل فى وسط إيطاليا 1450-1500»، أى أن الجمهور يقف أمام أعمال خرجت من واحدة من أكثر مراحل الفن الأوروبى تأثيرًا. وتضم هذه المنطقة من المتحف لوحات ارتبطت بتحولات كبرى فى رسم الجسد والمنظور والشخصية الإنسانية والحكايات الدينية خلال القرن الخامس عشر.

ماذا تقول لوحة قديمة لشاعر يعيش اليوم؟

تنطلق التجربة من فكرة أن اللوحة يمكن قراءتها بأكثر من طريقة؛ فالمؤرخ يبحث فى تاريخها وصاحبها والمرحلة التى تنتمى إليها، والناقد يتابع أسلوب الفنان وتكوين العمل، بينما يستطيع الشاعر أن يدخل إلى الصورة من باب آخر. قد يختار وجهًا صغيرًا فى الخلفية، أو حركة يد، أو مساحة مظلمة، أو شخصية لا يعرف المشاهد قصتها، ثم يبنى حول هذه التفصيلة نصًا جديدًا يعيد فتح اللوحة أمام الجمهور.
وهكذا لا تصبح القصيدة شرحًا مباشرًا للعمل التشكيلى، بل استجابة له؛ يستطيع الشاعر تخيل ما سبق اللحظة التى رسمها الفنان، أو ما حدث بعدها، أو أن يمنح إحدى الشخصيات صوتًا لم يكن موجودًا فى اللوحة، فينشأ نص جديد بينما يبقى العمل الأصلى أمام المتلقى.

الرسم والشعر فى حوار عمره قرون

تقول ناشيونال جاليرى فى تقديمها للفعالية إن الرسم والشعر دخلا فى حوار على مدى قرون، حيث أثر كل فن فى الآخر، وحاول الفنانون والشعراء نقل الخصائص المميزة لوسيط فنى إلى وسيط مختلف. ومن هنا جاءت فكرة أن يقرأ Fowler وضيوفه قصائد جديدة مستوحاة مباشرة من اللوحات، بما يمنح الجمهور تفسيرات بديلة لمعانيها وتاريخها وموقعها الفنى.
وتمنح التجربة الجمهور مستويين من المشاهدة فى اللحظة نفسها؛ العين تتعامل مع اللون والشكل والوجوه، بينما تأتى الكلمات لتقترح مسارًا آخر للقراءة، وقد يعود المشاهد إلى اللوحة بعد انتهاء القصيدة ليكتشف تفصيلة مر أمامها قبل دقائق من دون أن يتوقف عندها.

اقرأ أيضا: «قبول»: الأحد.. آخر يوم للفرص الإضافية.. رفض الترقية لا يمنع التنافس – أخبار السعودية

من هو SJ Fowler؟

يعمل SJ Fowler شاعرًا وكاتبًا وفنان أداء، ويتعامل مع مفهوم واسع للشعر يمتد إلى النص والصورة والصوت والأداء والتجريب والتعاون مع فنانين آخرين. ووفق ناشيونال جاليرى، أصدر أكثر من 50 عملًا، وقدم عروضًا فى 40 دولة، وشارك فى مشروعات وتكليفات مع مؤسسات ثقافية وفنية من بينها Tate Modern وTate Britain وBBC Radio 3 وScience Museum وSomerset House وSouthbank Centre وLiverpool Biennial، إلى جانب تعاونه المتكرر مع ناشيونال جاليرى.
وسبق لـFowler أن قدم جولات شعرية مشابهة داخل ناشيونال جاليرى خلال السنوات الماضية، حيث وقف الشعراء أمام الأعمال وقدموا قصائد كتبت خصيصًا استجابة لمجموعة المتحف، ما جعل المشروع سلسلة ممتدة من اللقاءات بين الأدب والفن التشكيلى.

المتحف يفتح أبوابه حتى التاسعة مساء

تأتى الجولة ضمن برنامج Friday Lates الذى تفتح خلاله ناشيونال جاليرى أبوابها حتى التاسعة مساء كل يوم جمعة، مع تقديم سلسلة من المحاضرات وورش الرسم والعروض الحية والجولات داخل القاعات. وشهد يوم 24 يوليو إلى جانب جولة الشعر أنشطة أخرى شملت الرسم الحى وحوارات حول الأعمال الفنية وبودكاست مباشرًا وعرضًا للكوميديا المستوحاة من اللوحات.
وتمثل هذه البرامج طريقة مختلفة للتعامل مع مقتنيات المتحف؛ فالزيارة تتحول من المرور أمام مجموعة من الأعمال إلى نشاط يمكن أن يدخل فيه الشعر والموسيقى والأداء والكوميديا، وتصبح اللوحات القديمة مادة لإنتاج فنون وتجارب معاصرة.

عندما تصبح اللوحة مصدرًا لعمل جديد

تحمل التجربة سؤالًا يتجاوز ليلة واحدة فى لندن: ماذا يحدث للعمل الفنى عندما يراه جيل جديد بعد مئات السنين؟ فاللوحة تحتفظ بشكلها، بينما تتغير العيون التى تنظر إليها والأسئلة التى يطرحها الجمهور عليها. ومن هنا يستطيع عمل خرج من إيطاليا فى القرن الخامس عشر أن يدفع شاعرًا فى لندن عام 2026 إلى كتابة قصيدة جديدة.
ويصبح المتحف فى هذه الحالة مساحة لحفظ الفن وإنتاج استجابات جديدة له فى الوقت نفسه؛ الشاعر ينظر إلى اللوحة، يكتب نصه، ثم يعود الجمهور إلى الصورة بعد سماع الكلمات وقد تغيرت طريقة رؤيته لبعض تفاصيلها.
وبعد نحو 500 عام على رسم عدد من الأعمال التى أحاطت بالشعراء فى القاعة، بقيت اللوحات فى أماكنها، بينما أضيف إليها مساء 24 يوليو فصل جديد صنعه شعراء معاصرون بالكلمات.
 

اقرأ أيضا: رومانيا تستدعي السفير الروسي احتجاجًا على انتهاك مجالها الجوي

‫0 تعليق

اترك تعليقاً