
تحل اليوم الأحد 26 يوليو الذكرى الـ151 لميلاد الطبيب النفسى والمفكر السويسرى كارل جوستاف يونج، المولود عام 1875، وصاحب مدرسة «علم النفس التحليلى» التى تركت مفاهيمها أثرًا واسعًا فى علم النفس والأدب والفن ودراسة الأساطير والأديان، من «اللاوعى الجمعى» و«النماذج الأصلية» إلى «الظل» و«القناع» والانطواء والانبساط، وصولًا إلى فكرته عن رحلة الإنسان لاكتشاف ذاته.
وبحسب معهد كارل يونج فى زيورخ والجمعية الأمريكية لعلم النفس APA، بدأ مشروع يونج من أبحاث تجريبية حول تداعى الكلمات والعُقد النفسية، ثم أسس منظومة أوسع لفهم الشخصية واللاوعى أطلق عليها «علم النفس التحليلى». وما زالت مدرسته حاضرة فى التدريب والعلاج النفسى الديناميكى، بينما تُعرض مفاهيم مثل اللاوعى الجمعى والنماذج الأصلية بوصفها تصورات يونج النظرية التى أثرت بقوة فى الثقافة وعلم النفس خلال القرن العشرين.
اقرأ أيضا: 61.4 مليار جنيه قيمة التداول بالبورصة خلال جلسة اليوم الأحد
من الطب النفسى إلى البحث داخل اللاوعى
ولد كارل جوستاف يونج فى كيسفيل بسويسرا يوم 26 يوليو 1875، ودرس الطب قبل أن يتجه إلى الطب النفسى ويعمل فى مستشفى بورغهولتسلى فى زيورخ. وهناك شارك فى تجارب «تداعى الكلمات»، التى تقوم على تقديم كلمات للمريض ومراقبة سرعة استجابته وطبيعتها، ولاحظ أن بعض الكلمات تثير تأخرًا أو انفعالًا يكشف عن مناطق حساسة فى النفس، ومن هذه الأبحاث طور مفهوم «العُقد النفسية» الذى أصبح أحد العناصر المبكرة فى مشروعه.
وخلال السنوات الأولى من القرن العشرين ارتبط يونج بسيجموند فرويد بعلاقة فكرية ومهنية وثيقة، وشارك معه فى نشر أفكار التحليل النفسى، وسافرا معًا إلى الولايات المتحدة عام 1909. ومع مرور الوقت اتسعت الخلافات بينهما حول طبيعة اللاوعى ومفهوم «الليبيدو»، إذ تعامل يونج معه بوصفه طاقة نفسية أوسع من المعنى الجنسى، وانتهى التعاون بينهما ليبدأ يونج بناء مدرسته الخاصة.
اللاوعى الجمعى.. ماذا نحمل معنا من تاريخ البشر؟
جاءت فكرة اللاوعى الجمعى بين أشهر أفكار يونج وأكثرها إثارة للنقاش. قسم يونج اللاوعى إلى مستوى شخصى يضم الخبرات والذكريات والمشاعر المرتبطة بحياة الفرد، ومستوى أعمق افترض أنه مشترك بين البشر ويحمل أنماطًا وصورًا أولية تظهر فى الأحلام والأساطير والأديان والحكايات لدى ثقافات متباعدة.
وفى تصور يونج لا يحمل الإنسان قصة حياته الفردية وحدها؛ فالعقل لديه قابلية لإنتاج صور وموضوعات متكررة عبر الثقافات، مثل صورة الأم والبطل والموت والولادة والرحلة. وأطلق على هذه الأنماط اسم «النماذج الأصلية» أو Archetypes.
النماذج الأصلية.. لماذا تتكرر الشخصيات نفسها فى الحكايات؟
عرّفت الجمعية الأمريكية لعلم النفس «النموذج الأصلى» فى علم النفس اليونجى بأنه رمز أو نمط يمثل جانبًا من النفس، ويرتبط ـ فى نظرية يونج ـ بالخبرة الإنسانية المتراكمة. ومن أمثلته «الظل» و«القناع» و«الأنيما» و«الأنيموس» والبطل.
ساعدت هذه الفكرة على توسيع تأثير يونج خارج العيادة النفسية؛ فقد أصبحت النماذج الأصلية أداة يستخدمها نقاد الأدب والسينما والأساطير فى قراءة الشخصيات والحكايات. شخصية البطل الذى يغادر عالمه ثم يواجه الخطر ويعود متغيرًا، أو الحكيم الذى يقدم المعرفة، أو الأم الحامية، كلها نماذج وجد فيها المتأثرون بيونج صورًا تتكرر داخل ثقافات مختلفة.
“الظل”.. الجزء الذى نفضل إخفاءه
يعد الظل Shadow من أكثر مفاهيم يونج انتشارًا فى الثقافة المعاصرة. ويشير إلى السمات والرغبات والانفعالات التى يرفضها وعى الإنسان أو يجد صعوبة فى قبولها، فتظل بعيدة عن صورته المعلنة عن نفسه. وقد تضم هذه المنطقة صفات سلبية، كما قد تضم قدرات أو مشاعر إيجابية تعلم الشخص إخفاءها.
ورأى يونج أن النمو النفسى يحتاج إلى التعرف على هذه الجوانب والتعامل معها بوعى. فالإنسان الذى يتصور نفسه هادئًا دائمًا قد يرفض الاعتراف بغضبه، ومن يرى نفسه قويًا قد يخفى شعوره بالخوف، ومعرفة هذه الأجزاء تساعد ـ فى المنظور اليونجى ـ على تكوين صورة أكثر اكتمالًا عن الذات.
“القناع”.. الوجه الذى نقدمه للمجتمع
فى مقابل الظل تحدث يونج عن Persona، أى «القناع» الاجتماعى. وهو الصورة التى يقدم بها الإنسان نفسه للآخرين بحسب دوره ومهنته ومكانته وتوقعات المجتمع منه.
فالطبيب أو الأستاذ أو المدير أو الفنان يمتلك كل منهم صورة اجتماعية تساعده على أداء دوره، لكن يونج رأى أن المشكلة تبدأ عندما يندمج الإنسان تمامًا فى هذا القناع ويعتبره كل شخصيته. هنا يصبح التعرف إلى ما وراء الدور الاجتماعى خطوة ضرورية نحو فهم الذات. ويعد القناع والظل من النماذج الأساسية فى منظومة يونج للشخصية.
الانطوائى والمنبسط.. فكرتان خرجتا من كتب يونج إلى الحياة اليومية
من أكثر أفكار يونج حضورًا حتى اليوم تقسيم الاتجاه النفسى إلى الانطواء Introversion والانبساط Extraversion. وقد أصبحت الكلمتان جزءًا من اللغة اليومية، وإن كان استخدامهما الشائع أبسط كثيرًا من المعنى الذى قصده يونج.
يرتبط الانطواء فى تصوره بتوجيه الاهتمام والطاقة بصورة أكبر نحو العالم الداخلى، بينما يرتبط الانبساط بالتوجه إلى الأشخاص والأشياء والأحداث فى العالم الخارجى. كما أضاف يونج وظائف نفسية مثل التفكير والشعور والإحساس والحدس، واستخدم هذه العناصر فى بناء نظريته عن الأنماط النفسية.
وأثرت هذه الأفكار لاحقًا فى عدد كبير من أنظمة تصنيف الشخصية، ومن بينها اختبار Myers-Briggs الشهير، رغم أن الاختبار نفسه طوره آخرون بعد يونج.
اقرأ أيضا: وسط أنباء عن مقترح عُماني لإدارة «هرمز».. «سنتكوم» توصي بوقف قصف إيران – أخبار السعودية
التفرد.. كيف يصبح الإنسان نفسه؟
أعطى يونج أهمية كبيرة لما سماه Individuation «التفرد»، وهى العملية التى يسعى الإنسان من خلالها إلى بناء شخصية أكثر تكاملًا عبر التعرف على جوانبه الواعية واللاواعية وإقامة علاقة متوازنة بينها.
فى هذا المسار يواجه الفرد قناعه وظله وصوره الداخلية، ويعيد النظر فى اختياراته وأهدافه، حتى تتكون لديه علاقة أكثر اتساقًا بما سماه يونج «الذات Self»، التى اعتبرها مركز الشخصية الكلية بما تشمل عليه من عناصر واعية وغير واعية. وتضع الجمعية الأمريكية لعلم النفس عملية التفرد فى قلب علم النفس التحليلى اليونجى.
ولهذا اهتم يونج كثيرًا بمنتصف العمر، ورأى أن الإنسان يستطيع إعادة بناء شخصيته وتغيير اتجاه حياته فى مراحل متقدمة، وهى نقطة ميزت رؤيته عن التصورات التى تمنح خبرات الطفولة الدور الحاسم فى تشكيل الشخصية.
الأحلام.. رسائل من مناطق لا يصل إليها الوعى بسهولة
احتلت الأحلام مساحة واسعة فى أعمال يونج. تعامل معها باعتبارها مادة يستطيع الإنسان من خلالها الاقتراب من العمليات اللاواعية، لكنه اهتم بالرموز الشخصية إلى جانب الصور التى رأى أنها تتكرر عبر الأساطير والثقافات.
ولهذا اتجه إلى دراسة الأساطير والأديان والخيمياء والرموز القديمة، ورأى أن فهم الحلم يحتاج إلى النظر فى حياة صاحبه وسياقه الشخصى والثقافى، وهو ما جعل كتاباته تتقاطع مع مجالات بعيدة عن الطب النفسى التقليدى، من تاريخ الأديان إلى الأدب والفن.
التزامن.. عندما تبدو المصادفة ذات معنى
طرح يونج كذلك مفهوم Synchronicity «التزامن» لوصف أحداث تقع معًا من دون علاقة سببية واضحة، لكنها تكتسب معنى خاصًا لدى الشخص الذى يعيشها؛ مثل التفكير فجأة فى شخص ثم تلقي اتصال منه فى اللحظة نفسها.
أعطى يونج لهذه المصادفات مكانة فلسفية ونفسية داخل مشروعه، وأصبحت فكرة التزامن من أكثر جوانب فكره انتشارًا خارج علم النفس الأكاديمى، كما ظلت من أكثر أفكاره إثارة للجدل بسبب صعوبة اختبارها تجريبيًا وفق مناهج البحث العلمى الحديثة.
لماذا بقيت أفكار يونج بعد أكثر من قرن؟
توفى كارل يونج فى 6 يونيو 1961، لكن مدرسته استمرت عبر معاهد ومحللين وباحثين فى عدد من دول العالم. وتأسس معهد كارل يونج فى زيورخ عام 1948 بمشاركته، ولا يزال يقدم برامج فى التحليل النفسى والعلاج النفسى التحليلى حتى اليوم.
كما تجاوز أثره حدود العلاج النفسى إلى الرواية والسينما والفنون ودراسة الأساطير والثقافة الشعبية؛ فالظل والقناع والنموذج الأصلى ورحلة اكتشاف الذات أصبحت مفردات متداولة فى تحليل الشخصيات والقصص.
وبعد 151 عامًا على ميلاده، تبقى أهمية يونج مرتبطة بالأسئلة التى جعلها مركز مشروعه: ما الذى نخفيه عن أنفسنا؟ لماذا تتكرر بعض الصور فى أحلام البشر وحكاياتهم؟ وما الطريق الذى يجعل الإنسان أكثر معرفة بالأجزاء المختلفة من شخصيته؟ كانت إجابات يونج محل اتفاق واختلاف، بينما ظلت الأسئلة نفسها حاضرة بعد أكثر من قرن.
اقرأ أيضا: أرسنال يصطدم بمطالب «باريس».. وباركولا يبتعد عن لندن