قطعة من الفك السفلى وعدد من الأسنان خرجت من صخور وادى المغرة شمال مصر، كانت كافية لفتح نقاش علمى جديد حول المكان الذى عاش فيه الأسلاف الأوائل للقردة العليا الحديثة قبل نحو 17 إلى 18 مليون سنة، وإعادة شمال أفريقيا إلى قلب خريطة ظلت لعقود تركز بدرجة كبيرة على شرق القارة، بعدما قدم الكشف أول دليل مؤكد على وجود قرد أعلى فى شمال أفريقيا خلال العصر الميوسينى المبكر.
وبحسب تقرير نشره موقع ScienceDaily فى 24 يوليو 2026، استنادًا إلى مواد قدمها مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، فإن الحفرية الجديدة تنتمى إلى نوع حمل اسم Masripithecus moghraensis مصريبثيكس موغراينسيس ، ووصفت علميًا فى دراسة نشرتها دورية Science، بقيادة باحثين من جامعة المنصورة وبمشاركة جامعة جنوب كاليفورنيا الأمريكية، بعد العثور على بقاياها خلال أعمال ميدانية فى وادى المغرة عامى 2023 و2024.
اقرأ أيضا: انخفاض طفيف في درجات الحرارة وأمطار خفيفة على هذه المناطق
مصريبثيكس .. اسم يحمل مصر ومكان الاكتشاف
اختار الفريق البحثى اسمًا يعكس هوية الكشف ومكان العثور عليه؛ فـ«Masripithecus» يجمع بين كلمة «مصر» والكلمة اليونانية píthēkos التى تعنى القرد، بينما يشير «moghraensis» إلى وادى المغرة، المنطقة الغنية بالحفريات فى شمال مصر. وأكدت جامعة المنصورة أن اختيار الاسم جاء متعمدًا لإبراز الهوية المصرية للكشف الذى نشر فى واحدة من أبرز الدوريات العلمية العالمية.

الاكتشاف
أول دليل مؤكد على قرد أعلى فى شمال أفريقيا
تكمن أهمية الكشف فى عمره وموقعه معًا؛ فالمواقع التى تعود إلى العصر الميوسينى المبكر فى شمال أفريقيا قدمت من قبل حفريات لرئيسيات، بينما لم تقدم دليلًا مؤكدًا على وجود قردة عليا فى المنطقة خلال تلك المرحلة. ويكشف «مصريبثيكس» أن هذه الحيوانات كانت موجودة بالفعل فى شمال أفريقيا قبل 17 إلى 18 مليون سنة، فى فترة سبقت انتشار القردة العليا إلى مناطق من أوروبا وآسيا.
ويضع هذا العمر الحفرية داخل مرحلة شديدة الأهمية فى تاريخ مجموعة Hominoidea التى تضم اليوم الجيبونات وإنسان الغاب والغوريلا والشمبانزى والبونوبو والإنسان، إلى جانب أسلافها المشتركة. وتساعد الحفرية على فهم الفصول المبكرة من تاريخ هذه المجموعة قبل ظهور الأنواع الحديثة بملايين السنين.
خمس سنوات بحثًا عن القطعة الناقصة
قال الدكتور هشام سلام، أستاذ الحفريات بجامعة المنصورة وكبير الباحثين فى الدراسة، إن الفريق قضى نحو خمس سنوات يبحث عن هذا النوع من الأدلة، بعدما أظهرت مراجعة شجرة تطور القردة العليا المبكرة وجود فجوة فى السجل الأحفورى يمكن أن تحمل شمال أفريقيا جانبًا من إجابتها. وجاء العثور على الفك والأسنان فى وادى المغرة ليقدم للفريق القطعة التى كان يبحث عنها فى منطقة لم تحظ تاريخيًا بالكثافة نفسها من أعمال التنقيب التى شهدها شرق أفريقيا.
ماذا قالت الأسنان عن حياته؟
اقتصر الكشف حتى الآن على أجزاء من الفك السفلى والأسنان، إلا أن هذه البقايا حملت معلومات مهمة عن الحيوان. وكشفت الدراسة عن أنياب وضواحك كبيرة نسبيًا، وأضراس ذات أسطح مستديرة وخشنة، إلى جانب فك قوى، وهى صفات تشير إلى قدرة الحيوان على التعامل مع أنواع مختلفة من الطعام.
وأوضحت الدكتورة شروق الأشقر، المؤلف الرئيسى للدراسة، أن تشريح الفك والأسنان يشير إلى نظام غذائى مرن يعتمد بصورة أساسية على الفاكهة، مع القدرة على معالجة أطعمة أكثر صلابة مثل المكسرات والبذور عند الحاجة، وهى مرونة ربما ساعدت الحيوان على التكيف مع التغيرات المناخية وزيادة موسمية البيئة فى شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية خلال تلك الفترة.
الفك
اقرأ أيضا: خلط الأوراق وفاجأ الجميع.. ترمب يعلن عزمه الترشح للرئاسة 2028 – أخبار السعودية
كيف وضع العلماء «مصريبثيكس» على شجرة التطور؟
لم يعتمد الفريق على شكل الأسنان وحده، بل استخدم تحليلًا تطوريًا جمع بين الخصائص التشريحية للحفريات والبيانات الوراثية للأنواع الحديثة والأعمار الجيولوجية. وأوضحت جامعة المنصورة أن الدراسة استخدمت نحو 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا و10 جينات ميتوكوندرية، إلى جانب 268 صفة تشريحية للقردة الحديثة والمنقرضة، فى محاولة لبناء شجرة تطورية أكثر دقة.
وأظهرت النتائج أن «مصريبثيكس» أقرب إلى القردة العليا الحية من أى نوع معروف من شرق أفريقيا يعود إلى العمر نفسه، وهو ما منح الحفرية أهميتها فى إعادة النظر فى بعض التصورات القديمة عن المناطق التى شهدت المراحل المبكرة لتطور القردة الحديثة.
هل عاش السلف المشترك للقردة الحديثة فى شمال أفريقيا؟
تفتح الدراسة هذا الاحتمال بقوة، مع استمرار الحاجة إلى حفريات جديدة لتحديد الصورة بصورة أدق. فقد أجرى الباحثون تحليلات جغرافية تطورية لمعرفة الموقع المرجح للسلف المشترك للقردة العليا الحية، وأشارت النتائج إلى شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط باعتبارهما منطقتين محتملتين فى هذه المرحلة من التاريخ التطورى.
وقال إريك سيفرت، عالم الحفريات بجامعة جنوب كاليفورنيا وأحد المشاركين فى الدراسة، إنه ظل طوال مسيرته العلمية يرجح وجود السلف المشترك لجميع القردة العليا الحية فى شرق أفريقيا أو بالقرب منها، بينما دفعه الكشف الجديد والتحليلات المصاحبة له إلى إعادة النظر فى هذا التصور. ويؤكد الباحث أن الاحتمال الجديد لا يقوم على حفرية «مصريبثيكس» وحدها، لكنه يتوافق معها بقوة.
مصر عند مفترق طرق بين أفريقيا وأوراسيا
قبل ملايين السنين كانت القارتان الأفريقية والعربية تتحركان شمالًا خلال المراحل الأخيرة من اصطدامهما بآسيا، وكانت تغيرات مستوى البحر تفتح فى أوقات معينة طرقًا تسمح للحيوانات بالانتقال بين المناطق. ولهذا يحتل موقع مصر وشمال أفريقيا أهمية كبيرة فى تفسير الطريقة التى انتقلت بها الحيوانات بين أفريقيا وأوراسيا.
ويرى الباحثون أن «مصريبثيكس» يساعد على وصل سجل أحفورى كان يبدو منفصلًا بين أفريقيا وأوراسيا، ويشير إلى أن القردة العليا كانت تتنوع فى هذه المنطقة قبل فتح الممرات التى سمحت بانتشار أنواع منها لاحقًا إلى أوروبا وآسيا.
ماذا يعنى الكشف بالنسبة إلى تاريخ الإنسان؟
ترتبط أهمية «مصريبثيكس» بالإنسان من خلال تاريخ القردة العليا بوصفها المجموعة التطورية الأوسع التى ينتمى إليها البشر، بينما تمثل الحفرية نوعًا عاش قبل ظهور السلالات البشرية بزمن طويل. وتساعد دراستها على الاقتراب من شكل وتوزيع المراحل التطورية التى سبقت تفرع المجموعات الحديثة من القردة العليا.
وتشير صورة إعادة البناء التى أنجزها الفنان العلمى موريسيو أنطون إلى حيوان يجمع بعض الصفات المتوقعة فى القردة العليا المبكرة، بينما تبقى تفاصيل حجمه الكامل وطريقة حركته مرتبطة بالعثور مستقبلًا على أجزاء إضافية من الجمجمة أو الأطراف.
اقرأ أيضا: كيفية مشاهدة مباراة سيلتك ضد ميلان بث مباشر الآن عبر قناة مجانية