كتب 150 كتابًا وعاد قبل رحيله بأشهر.. الحكاية الأخيرة لعبد الرحمن بدوى

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قبل أشهر قليلة من رحيله، انتهت رحلة امتدت لعقود بين الجامعات والمكتبات والعواصم الأوروبية بصورة أعادته إلى نقطة البداية، عاد الفيلسوف المصرى عبد الرحمن بدوى إلى القاهرة مريضًا بعد سنوات طويلة قضاها خارج مصر، ودخل مستشفى معهد ناصر، حيث انتهت حياته صباح 25 يوليو 2002 عن عمر ناهز 85 عامًا، تاركًا وراءه واحدة من أغزر التجارب الفكرية فى الثقافة العربية الحديثة.

اقرأ أيضا: مناقب أم المؤمنين زينب بنت جحش وقصة طلاقها من زيد وتزويجها لـ النبي

وبحسب ما نشرته المواقع يوم وفاته، كان عبد الرحمن بدوى قد عاد إلى مصر مريضًا قبل رحيله بنحو أربعة أشهر بعد سنوات من الإقامة فى فرنسا، وتلقى العلاج فى مستشفى معهد ناصر حتى وفاته، وتجاوز إنتاجه 150 عملًا بين التأليف والترجمة والتحقيق، وفق مصادر ثقافية وفهارس تناولت تراثه، بينما امتدت مسيرته الأكاديمية بين مصر وفرنسا وليبيا وإيران والكويت.

سقوط فى أحد شوارع باريس

بدأ الفصل الأخير من حياة عبد الرحمن بدوى فى باريس، المدينة التى استقر فيها لسنوات طويلة. وقبل وفاته بأشهر تعرض لوعكة صحية وسقط مغشيًا عليه فى أحد شوارع العاصمة الفرنسية. ونقل الكاتب أنيس منصور تفاصيل الواقعة وقتها، موضحًا أن بدوى نُقل إلى مستشفى كوشان بحى مونبارناس، وأن اتصالات جرت بعد معرفة السلطات المصرية بحالته لترتيب علاجه وعودته إلى مصر. وتشير الرواية المنشورة إلى أن واقعة السقوط حدثت فى 18 ديسمبر، وأن حالته الصحية استدعت متابعة طبية قبل عودته لاحقًا إلى القاهرة.
وعاد بدوى بالفعل إلى مصر قبل رحيله بنحو أربعة أشهر، ليتلقى العلاج فى معهد ناصر، وتنتهى هناك الرحلة التى حملته طوال عقود بين القاهرة وبرن وباريس وبنغازى وطهران والكويت.

بدأ حياته بسؤال عن الموت

تحمل نهاية عبد الرحمن بدوى مفارقة لافتة مع بداية مشروعه الأكاديمى؛ فقد دخل إلى عالم البحث الفلسفى من سؤال الموت نفسه. ولد فى قرية شرباص بمحافظة دمياط عام 1917، والتحق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، قسم الفلسفة، سنة 1934، وأوفد خلال دراسته إلى أوروبا لدراسة اللغات، ثم حصل على الليسانس فى الفلسفة عام 1938.
وفى عام 1941 حصل على الماجستير برسالة حملت عنوان «مشكلة الموت فى الفلسفة المعاصرة»، ثم حصل عام 1944 على الدكتوراه عن رسالته الشهيرة «الزمان الوجودى». وضمت لجنة المناقشة عددًا من كبار أساتذة الفكر، بينهم طه حسين، الذى ارتبطت بالمناقشة عبارته الشهيرة عن ظهور فيلسوف مصرى.

“الزمان الوجودى” وبداية مشروع فلسفى

ارتبط اسم عبد الرحمن بدوى مبكرًا بالفلسفة الوجودية، وأصبح كتابه «الزمان الوجودى» واحدًا من أبرز الأعمال التى قدمت هذا التيار بصورة منهجية إلى القارئ العربى. وتناولت كتاباته مفاهيم الزمن والموت والحرية والوجود الفردى، وتأثر فى هذا الجانب بعدد من الفلاسفة الأوروبيين، وفى مقدمتهم مارتن هايدجر.
واتسعت تجربته بعد ذلك لتشمل مساحات كثيرة من تاريخ الفلسفة؛ فكتب فى الفلسفة اليونانية والفكر الإسلامى والتصوف والمذاهب وتاريخ الإلحاد والاستشراق، وحقق نصوصًا تراثية، وترجم أعمالًا فلسفية وأدبية أوروبية، لتتحول مكتبته إلى مشروع واسع يجمع بين الفيلسوف والمترجم والمحقق ومؤرخ الأفكار.

أكثر من 150 كتابًا

بلغت أعمال عبد الرحمن بدوى المنشورة وغير المنشورة أكثر من 150 كتابًا بين التأليف والترجمة والتحقيق، وهو الرقم الذى جعل اسمه يرتبط دائمًا بغزارة الإنتاج. ومن أشهر مؤلفاته «الزمان الوجودى»، و«شخصيات قلقة فى الإسلام»، و«من تاريخ الإلحاد فى الإسلام»، و«مذاهب الإسلاميين»، و«موسوعة المستشرقين»، إلى جانب عشرات الدراسات والتحقيقات والترجمات.
وامتلك بدوى معرفة بعدد من اللغات الأوروبية والقديمة، وهو ما أتاح له العمل المباشر مع مصادر متعددة، وظهرت هذه المعرفة فى ترجماته ودراساته التى امتدت من الفلسفة اليونانية إلى الفكر الأوروبى الحديث. ومن ترجماته أعمال مرتبطة بجوته ولوركا وجون لوك، إلى جانب نشاطه الواسع فى تحقيق النصوص الفلسفية والتراثية.

من جامعة القاهرة إلى تأسيس قسم الفلسفة بعين شمس

بدأ بدوى عمله الجامعى مدرسًا بقسم الفلسفة فى كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، جامعة القاهرة حاليًا، عام 1945، ثم أصبح أستاذًا مساعدًا عام 1949. وفى سبتمبر 1950 انتقل إلى جامعة إبراهيم باشا، عين شمس حاليًا، ليسهم فى إنشاء قسم الفلسفة بكلية الآداب، وأصبح أستاذ كرسى عام 1959.
وامتدت مسيرته إلى خارج مصر؛ عمل مستشارًا ثقافيًا ومديرًا للبعثة التعليمية المصرية فى برن، كما عمل أو حاضر فى جامعات ومؤسسات أكاديمية فى فرنسا وليبيا وإيران والكويت، وأصبحت الإقامة والسفر جزءًا أساسيًا من حياته الفكرية والأكاديمية.

اقرأ أيضا: ملخص ونتيجة وأهداف مباراة ميلان وسيلتك في وديات الأندية 2026

“سيرة حياتى”.. الكتاب الذى عاد فيه إلى نفسه

قبل رحيله بعامين تقريبًا، أصدر عبد الرحمن بدوى واحدًا من أكثر كتبه ارتباطًا بحياته الشخصية، وهو «سيرة حياتى» فى جزأين. وصدرت السيرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2000، واستعاد فيها المؤلف مراحل حياته وعلاقاته بالجامعة والسياسة والثقافة والسفر والشخصيات التى التقاها خلال عقود طويلة.
وحملت المذكرات أحكامًا صريحة وحادة على شخصيات وأحداث عاصرها بدوى، فأثارت مناقشات واسعة عند صدورها، وأصبحت وثيقة أساسية لكل من يحاول قراءة شخصيته من داخله؛ فالرجل الذى أمضى عمره يكتب عن الفلاسفة والمذاهب والنصوص القديمة قرر فى سنواته الأخيرة أن يجعل حياته نفسها موضوعًا للكتابة.

باريس تعيده إلى القاهرة

أمضى بدوى الجزء الأخير من حياته مرتبطًا بباريس، حتى جاءت الوعكة الصحية التى غيرت مسار أيامه الأخيرة. وبعد سقوطه وفقدانه الوعى ودخوله المستشفى، وصلت أخبار حالته إلى مصر، وجرت اتصالات لترتيب علاجه، ثم عاد إلى القاهرة ودخل مستشفى معهد ناصر.
وفى صباح الخميس 25 يوليو 2002، توفى عبد الرحمن بدوى فى المستشفى عن عمر ناهز 85 عامًا. وكان قد أمضى أكثر من ستة عقود يكتب ويترجم ويحقق ويدرس الفلسفة، ثم عادت الرحلة فى أشهرها الأخيرة إلى القاهرة التى شهدت بدايات مشروعه الأكاديمى.

24 عامًا على رحيل صاحب “الزمان الوجودى”

تحل اليوم الذكرى الرابعة والعشرون لرحيل عبد الرحمن بدوى، وتبقى تجربته واحدة من أكثر التجارب الفكرية العربية ضخامة من حيث حجم التأليف واتساع مجالاته. بدأ دراساته العليا بسؤال عن «مشكلة الموت»، وكتب بعدها عن الوجود والزمن والفلسفة اليونانية والإسلامية والاستشراق والتصوف، قبل أن يعود فى نهاية الرحلة إلى مصر مريضًا ويقضى فيها أشهره الأخيرة.
وبعد أكثر من قرن على ميلاده و24 عامًا على رحيله، ما زالت كتبه حاضرة فى المكتبات والدراسات الجامعية، بينما تظل «سيرة حياتى» و«الزمان الوجودى» من أهم المداخل لفهم الرجل الذى أمضى حياته بين الكتب والأسفار، وترك وراءه أكثر من 150 عملًا تحمل اسمه.

اقرأ أيضا: لقطة إنسانية، الأولى على الثانوية الأزهرية تطمئن على توأمها خلال مكالمة شيخ الأزهر (فيديو)

‫0 تعليق

اترك تعليقاً