يقول الشاعر العربي امرؤ القيس في معلقته الشهيرة:
“ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل”
ويقول الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي في مقدمة مسلسل “دموع في حضن الجبل”:
“في كل ليلة نتمنى يطلع الصباح
اقرأ أيضا: من الانكماش للنمو، معلومات مجلس الوزراء يوثق طفرة القطاع الصناعي وشهادات المؤسسات الدولية
وآخر اليوم نحمد الله إنه راح”
نعرف جميعا أنه تفصل بين النصين قرون طويلة، لكن مع ذلك تجمعهما رؤية واحدة للزمن، حين يتحول من إطار تتحرك فيه الحياة إلى قوة ضاغطة على الإنسان، تتشكل من خلالها علاقته بالعالم، وتتحدد بها رؤيته إلى الحاضر والقادم.
يبدأ امرؤ القيس خطابه بنداء الليل “ألا أيها الليل الطويل”، فيتحول الليل من زمن إلى مخاطَب، ومن حالة كونية إلى كائن يمتلك حضورًا وثقلاً وامتدادًا، صفة “الطويل” هنا تتصل بإدراك الذات للزمن، فالزمن الذي يمر في الخارج تلتقطه الذات وفق ما تعيشه في الداخل، ومن هنا يصبح طول الليل تعبيرًا عن طول المعاناة، ويصبح امتداده امتدادًا للحالة الشعورية نفسها، وتتحرك الجملة بعد ذلك من النداء إلى الطلب: “ألا انجلي”، وهنا يدخل الصباح إلى بنية الخطاب بوصفه اللحظة المنتظرة، ويحمل فعل الانجلاء معنى الحركة من حالة إلى حالة، ومن زمن إلى زمن، ثم تأتي جملة “وما الإصباح منك بأمثل” لتعيد تشكيل العلاقة بين الليل والصباح داخل التجربة كلها، فالذات تحمل أزمتها عبر الزمن، ويتحول تعاقب الليل والصباح إلى دوران داخل الحالة الإنسانية ذاتها، بهذا المعنى، يبني امرؤ القيس خطابًا يقوم على ثلاث حركات متصلة، الإحساس بثقل الزمن، والرغبة في عبوره، ثم إدراك امتداد الحالة عبر الزمن القادم، وتكشف هذه الحركات عن وعي مبكر بعلاقة الإنسان بالوقت، بعد قرون، يعيد الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي بناء هذه العلاقة في سياق مختلف، ومعجم مختلف وسياق آخر، وتجربة إنسانية تحمل ملامح عصر آخر:
“في كل ليلة نتمنى يطلع الصباح
وآخر اليوم نحمد الله إنه راح”
تتسع الذات هنا من ضمير الفرد إلى ضمير الجماعة، امرؤ القيس يخاطب الليل من موقع “الأنا”، والأبنودي يستخدم “نتمنى” و”نحمد”، فيصبح الزمن خبرة جمعية، ويصبح الانتظار حالة يشترك فيها الناس، وهذه النقلة من المفرد إلى الجمع ذات دلالة مهمة في بناء خطاب الأبنودي، فالتجربة التي عبّر عنها امرؤ القيس من داخل ذات الشاعر، يقدمها الأبنودي باعتبارها خبرة يومية قابلة للتكرار في حياة الجماعة.
ويمنح التعبير “في كل ليلة” الزمن طبيعة دورية، نحن أمام حدث يتكرر، وأمنية تتكرر، وصباح يأتي كل يوم، ثم يصل اليوم إلى نهايته فتتولد استجابة أخرى “نحمد الله إنه راح”، ويتشكل الخطاب هنا من دائرتين، انتظار بداية اليوم، وانتظار نهايته، وبين الانتظارين تتحرك حياة كاملة.
وتكشف الأفعال عن هذه الحركة بوضوح “نتمنى”، “يطلع”، “نحمد”، “راح”. إنها أفعال تبني مسار الزمن من الترقب إلى الحضور ثم إلى الانقضاء، ويحضر الإنسان في قلب هذا المسار بوصفه ذاتًا تنتظر حركة الزمن وتتابعها وتمنحها معناها النفسي.
وهنا تبدو الصلة العميقة بين النصين، الصباح عند امرئ القيس يدخل بوصفه زمنًا منتظرًا، والصباح عند الأبنودي يحمل الوظيفة نفسها، وعندما يتحقق هذا الانتظار، يستمر ثقل التجربة في تشكيل علاقة الإنسان باليوم.
اقرأ أيضا: لويس دياز يثير اهتمام الهلال السعودي ويُعتقد أنه على راداره لتعزيز صفوفه
ومن هذه الزاوية يصبح الزمن في الخطابين أداة للكشف عن الإنسان أكثر من كونه تحديدًا لساعة أو لحظة، ومن هنا يقدم النصان إجابة تتشكل من داخل اللغة نفسها، يحمل الإنسان ألمه معه من الليل إلى الصباح، ومن الصباح إلى نهاية النهار، ويظل الزمن يتحرك بينما تعيد الذات صياغة علاقتها به في كل مرحلة.

امرؤ القيس وعبد الرحمن الأبنودي
اقرأ أيضا: بعمر 8 سنوات..الأمريكية كوين هينيسى تحارب سرطان الدم وتبيع بسكويت الكشافة