من فؤاد الأول إلى 26 يوليو، حكاية الشوارع التي غيرت الثورة أسماءها

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تقتصر التحولات التي أحدثتها ثورة 23  يوليو 1952 على هيكلة الاقتصاد أو نظام الحكم السياسي فحسب، بل امتدت لتترك أثرًا عميقًا على المجال العام والعمران الحضري في مصر، حيث خاضت السلطة الجديدة معركة كبرى لإعادة إعادة صياغة جغرافيا العاصمة، والتي تحولت بموجبها شواهد العهد الملكي والاستعمار البريطاني إلى رموز تعبر عن ملامح جمهورية يوليو.

اقرأ أيضا: أوروبا تواجه أزمة جفاف حادة نتيجة الارتفاع التاريخي في درجات الحرارة

معركة الأسماء والألقاب، محو ألقاب العهد الملكي 

كانت تسمية الشوارع والميادين أولى الميادين التي تجلت فيها رغبة القيادة الجديدة في قطيعة مع الماضي، حيث جرى تغيير أسماء الشوارع الكبرى، وتحول اسم شارع فؤاد الأول إلى شارع 26 يوليو تخليدًا لليوم الذي غادر فيه الملك فاروق البلاد، وأصبح شارع الملك فاروق هو شارع الجيش، فيما تحول شارع إبراهيم باشا إلى شارع الجمهورية.

وترافق هذا التغيير العمراني مع قرار إلغاء الألقاب المدنية مثل الباشوية والبهوية، وهو ما انعكس فورًا على اللافتات الرسمية وعناوين المؤسسات والهيئات العامة.

ويشير المؤرخ الدكتور عاصم الدسوقي في دراساته حول التاريخ الاجتماعي لثورة 1952 إلى أن تغيير أسم الشوارع كان خطة منظمة لإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية للمواطنين، وإزاحة الرموز الملكية والاستعمارية من تفاصيل حياتهم اليومية.

إعادة توظيف القصور والمباني الملكية

تحولت القصور والمنتزهات التي كانت حكرًا على العائلة المالكة وكبار رجال الدولة في العهد الملكي إلى مؤسسات ذات نفع عام أو مقار رسمية لإدارة الدولة الجديدة، حيث تحول قصر عابدين من مقر للعرش الملكي إلى مقر رسمي لرئاسة الجمهورية ومستقرًا لاستقبال الوفود الأجنبية، بينما أُعيد توظيف قصر القبة وقصر رأس التين بالإسكندرية لأغراض السيادة الوطنية.

وفتحت الدولة أبواب حدائق القصور الملكية مثل حدائق المنتزه بالإسكندرية وجزء من القصور التاريخية أمام عامة الشعب، في رسالة سياسية مفادها أن ثروات العهد السابق أصبحت ملكًا للمواطنين.

وتوضح الدكتورة سهير زكي حواس، أستاذة العمارة والتنسيق الحضاري، في أبحاثها عن القاهرة الخديوية، أن إعادة توظيف القصور الملكية بعد عام 1952 شكلت نموذجًا لتحويل المعالم من رموز للطبقية والأرستقراطية إلى مساحات تعبر عن سيادة الدولة والمنفعة العامة.

الميادين الكبرى في مشروع يوليو 

شهد العمران السياسي في الخمسينيات إعادة تخطيط وتوسع للميادين الكبرى لتبني مساحات تتسع للحشود الشعبية والمظاهرات المؤيدة للقرارات السياسية الكبرى، وتم تغيير اسم ميدان الإسماعيلية نسبة للخديوي إسماعيل إلى ميدان التحرير، ليصبح الرمز الأبرز للجلاء والحرية والتجمعات الوطنية، ومقرًا لمبنى مجمع التحرير الذي جمع الخدمات الحكومية في مكان واحد لتسهيل معاملات الطبقات المتوسطة والفقيرة.

وشملت التغيرات إزالة أو نقل بعض التماثيل التي ارتبطت بالحقبة الاستعمارية أو الملكية في عدة مدن وميادين، وإعادة إحياء التراث الوطني عبر تماثيل ومجسمات جديدة تجسد النهضة العمالية والفلاحية والجيش.

اقرأ أيضا: وزير الخارجية يبحث مع نظيرته الفلبينية سبل تعزيز التعاون التجاري في مختلف القطاعات

ويوضح الدكتور نزار الصياد، أستاذ التخطيط العمراني والتاريخ، في كتابه القاهرة.. تواريخ مدينة، أن الدولة بعد 1952 استخدمت إعادة تخطيط الميادين كأداة لخلق مجالات عامة جديدة استوعبت التحشد السياسي والاجتماعي، حيث تحول ميدان التحرير ومحيطه إلى المركز السياسي والجمهوري للعاصمة.

ولم تتوقف هندسة الجغرافيا عند حدود الأبعاد الرمزية، بل امتدت لتأسيس أحياء ومناطق جديدة لتستوعب التوسع السكاني والطبقة المتوسطة والتكنوقراط الجدد، حيث شهدت الخمسينيات والستينيات التوسع في التخطيط العمراني لمنطقة مدينة نصر لتكون مركزًا إداريًا وعسكريًا جديدًا، والتوسع في حيوية أحياء مثل المهندسين والدقي لتستوعب الموظفين والمهنيين الجدد. 

وجرى إنشاء كباري جديدة وتوسعة المحاور لربط شرق القاهرة بغربها، بما يتناسب مع الخطط الصناعية والتوسعية للدولة في ذلك الوقت.

وتظهر إعادة قراءة جغرافيا القاهرة بعد ثورة 23 يوليو أن العمران لم يكن بمعزل عن السياسة؛ إذ نجحت القرارات العمرانية والتسميات الجديدة في إعادة رسم الهوية البصرية والمكانية للعاصمة، وتحويل الفضاء العام من مساحة تعكس النفوذ الأرستقراطي والاستعماري إلى مرآة تعبر عن تحولات الدولة المصرية ومجتمعها الجديد. 

اقرأ أيضا: بهاء الدين محمد يوضح تفاصيل تعاونه مع عمرو دياب في ثلاثة أغانٍ داخل ألبومه القادم

‫0 تعليق

اترك تعليقاً