ليلة السبت التي أثارت دموع إسرائيل: غزة وجغرافيا الصمود المجيد

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

غزة: صمود لا ينكسر في وجه العواصف

في ليلة السبت، التي تعتبرها الجالية اليهودية أمسية مقدسة، سعت إسرائيل لكتابة صفحات دامية جديدة في تاريخ غزة. كانت خططها تتضمن السيطرة على المدينة التي عانت الويلات من الحروب والحصار، لترزح تحت وطأة مآسي البحر والدم، وأصوات الأطفال الجائعين وأمهاتهم المكلومات. لكن ما تصورته إسرائيل كـ”عملية عسكرية سريعة” سرعان ما تحول إلى نكسة كبرى، هزت كبرياء جيشها وكشفت ضعف يقين عقيدته.

غزة، التي فقدت تقريبًا كل شيء، حتى شربة الماء التي أصبحت حلمًا بعيد المنال في ليالي الحصار، لم تفقد أساسي قوتها: إرادة الحياة. هنا يتجلى سؤال يجمع بين الفلسفة والجغرافيا: ماذا تريد إسرائيل من شعب لا يمتلك سوى أرضه وسماءه وبحره؟ وما الذي يريده هذا “النازي التتاري الجديد” من أناس تحملوا الموت، لكنهم لم يغلّبوا على عزمهم؟

هذه لحظة تلتقي فيها الأبعاد المقدسة لليهود مع الجغرافيا الملعونة في نظر زعمائهم. حاول نتنياهو تقديم انتصار سريع لجمهوره، إلا أن حي الزيتون في غزة تحول إلى مثوى لخطته، وصرخة جغرافية تؤكد أن الأرض لا تُسلّم بسهولة، وأن الرمال يمكن أن تتحول إلى فخ، والأزقة إلى متاهات، والمنازل إلى معاقل صمود.

في خضم هذه الليلة، دمعت عيون الإسرائيليين على جنودهم، ليس فقط بسبب فقدانهم لأرواح، بل لأنهم يشهدون انهيار أسطورة الردع التي أُسست بالدبابات والطائرات. بين نيران المقاومين وغزارة كمائنهم، كان صوت الحقيقة يلوح من السماء: ليس الأمر باليسير إخضاع غزة، فكل حجر فيها يحمل ذكرى المقاومة، وكل زقاق يحمل دمًا يسعى لعدم النسيان.

الأهداف الإسرائيلية كانت واضحة:

إفناء الناس جوعًا وعطشًا في مكان حوصَر حتى في الهواء.

تشريدهم وتهجيرهم لإعادة إنتاج نكبة جديدة في تاريخهم.

تحطيم نفوسهم وروحهم لشعب ظنوا أنهم كسروا إرادته.

لكن ما قد يغفله الإسرائيليون هو وجود معادلة أعمق تسري في صمت أكبر، تفوق كل مخططات البشر: العناية الإلهية. هذه العناية تدخل قلب المعركة، وتحيل الضعف إلى قوة، وتمزق حسابات الطغاة، مهما كانت آلياتهم حديثة ومتطورة.

غزة ليست مجرد قطعة صغيرة على الخريطة، بل هي فلسفة وجود حي. لذا، في تلك الليلة، قد يسقط نتنياهو في حيرة أمام فشل خطته، لكن دموعه لن تخمد نار الحقيقة: أن الاحتلال، مهما طالت فترة احتلاله، يظل غريبًا، وأن الأرض تعرف أبناءها بعمق.

غزة: مركز التقاء البحر والصحراء

غزة ليست مجرد نقطة صغيرة على الخريطة كما يظن البعض، بل هي بوابة تربط بين البحر والصحراء، وبين آسيا وأفريقيا، وبين الشرق والغرب. من يملك غزة يشعر أنه يملك مفاتيح الطرق التجارية والتاريخية الكبرى، لذلك ظلت على مر العصور محل أطماع الغزاة: بدءًا من الفراعنة وصولًا إلى الرومان، مرورًا بالإغريق والصليبيين وحتى الاستعمار الحديث.

لكن ما يميز غزة هو أن جميع هؤلاء الغزاة قد مروا ورحلوا، بينما بقيت غزة وشعبها. هنا، تتحول الجغرافيا إلى قدر، والقدر يتحول إلى رسالة واضحة: أن هذه المدينة تُقاوم، وأنها رغم جراحها، قادرة على إعادة تعريف معنى الصمود.

إنها جغرافيا مشؤومة لدى الطغاة، وقدسية في قلوب أصحاب الحق. لذا، ستبقى كل خطة إسرائيل مكتوبة على الرمال وبالقرب من البحر، تصطدم بما لم يكن في حسبان الجنرالات: أن غزة لن تُقهر، بل تواصل كتابة فصول جديدة من البقاء بدمائها.. !!

— محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

‫0 تعليق

اترك تعليقاً