بينما كانت رائحة الموت لا تزال تعبق في شوارع غزة، وتحت أطنان الركام التي تواري أجساد الآلاف، كانت هناك رائحة أخرى بدأت تفوح في قاعات الفنادق الفاخرة بجامعة هارفارد ومكاتب شركات العقارات في “تل أبيب”؛ إنها رائحة “البيزنس” العابر للدماء.
لم تعد غزة في مخيلة صقور الاستثمار العقاري الدولي مجرد “سجن مفتوح” أو بؤرة صراع، بل تحولت إلى “منجم ذهب” عقاري مهجور ينتظر من “ينظفه” ليعيد رسم واجهته البحرية على طراز “نيوم” أو “دبي”.
في هذا التقرير الاستقصائي، نغوص في كواليس المخططات التي تُحاك تحت الطاولة، ونكشف كيف تتحول أنقاض المنازل إلى “فرص استثمارية” في مخيلة جاريد كوشنر وشركات الاستثمار الدولية، وكيف يُرسم مستقبل غزة بالمسطرة والفرجار فوق جثث الضحايا.
نبوءة “الواجهة البحرية”.. كوشنر والذهب الكامن في الرمال
في الثامن من مارس 2024، ومن على منصة جامعة هارفارد، ألقى صهر الرئيس الأمريكي السابق، جاريد كوشنر، قنبلة سياسية لم تكن مغلفة بالبارود، بل بأرقام الأرباح، حيث وصف كوشنر الواجهة البحرية لقطاع غزة بأنها “قيمة للغاية”، مشيراً بوضوح إلى أن “إسرائيل” يجب أن “تطهر” المنطقة وتنقل السكان إلى صحراء النقب أو مصر لفتح المجال للاستثمار.
هذه التصريحات لم تكن مجرد “فكرة عابرة” من تاجر عقارات سابق، بل هي جوهر الرؤية التي ترى في مستقبل غزة فرصة اقتصادية هائلة إذا ما تم التخلص من “العائق البشري”، حيث يدرك كوشنر، مهندس “اتفاقات إبراهيم”، أن الشريط الساحلي الممتد لـ 40 كيلومتراً يمثل واحدة من أجمل بقاع المتوسط غير المستغلة، والتي يمكن أن تتحول إلى منتجعات سياحية تضاهي سواحل سيناء أو اليونان.
“المنزل على الشاطئ ليس حلماً”.. تسويق الركام إسرائيلياً
لم ينتظر المستثمرون الإسرائيليون طويلاً؛ فبينما كانت المدافع تدك أحياء الرمال وتل الهوى، كانت شركة “هاري زهاف” (Harey Zahav) المتخصصة في بناء المستوطنات، تنشر إعلانات ترويجية مستفزة تحت عنوان: “استيقظ.. منزل الشاطئ ليس حلماً!”.
تضمنت الإعلانات خرائط توضيحية تقسم قطاع غزة إلى أحياء سكنية فاخرة تحمل أسماء عبرية مثل “نيتساريم الجديدة” و”عير قطيف”.
ورغم أن المدير التنفيذي للشركة ادعى لاحقاً أنها كانت “مزحة”، إلا أن التوقيت والمحتوى كشفا عن شهية مفتوحة لدى تيار “الاستيطان العقاري” الذي يرى في الحرب فرصة ذهبية لمحو الخط الأخضر وبدء عصر جديد من العقارات الفاخرة فوق الأنقاض. هذا التيار يضغط بقوة لفرض واقع جديد يحدد مستقبل غزة كمنطقة استثمارية مغلقة تخضع لسيطرة الشركات الكبرى.
نموذج “دبي الجديدة”: مشاريع بمليارات الدولارات
خلف الستار، تتحدث تقارير دولية عن مخططات لشركات هندسية عملاقة وضعت تصورات لـ “غزة 2030”. أحد هذه المخططات، الذي كشفت عنه صحيفة “وول ستريت جورنال”، يحمل اسم “مشروع شروق الشمس” (Project Sunrise)، وهو مبادرة تقدر تكلفتها بـ 112 مليار دولار تهدف إلى تحويل القطاع إلى مركز تجاري وسياحي عالمي.
أبرز ملامح مخطط “دبي الجديدة”
-ناطحات سحاب ذكية: بناء أبراج سكنية وإدارية على طول الشاطئ.
-الميناء الدولي: تطوير ميناء غزة ليكون محطة لوجستية تربط بين آسيا وأوروبا.
– جزر صناعية: على غرار “نخلة جميرا”، هناك مقترحات لإنشاء جزر اصطناعية قبالة الساحل لاستيعاب الفنادق الفاخرة.
وهذا التوجه يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مستقبل غزة: هل ستكون المنطقة لغزة وأهلها، أم لشركات العقارات الدولية التي تنتظر الضوء الأخضر لبدء الحفر؟
الغاز والقناة.. المصالح الجيوسياسية “تحت الأرض”
لا يقتصر الأمر على العقارات فوق الأرض، بل يمتد إلى ما تحت القاع. حقل “غزة مارين”، الذي اكتشف في عام 1999 ويحتوي على 1.4 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، يمثل العمود الفقري للاستقلال الاقتصادي الموءود للقطاع. شركات الطاقة الدولية تراقب عن كثب تطورات الوضع، حيث أن السيطرة الأمنية على غزة تعني البدء فوراً في استخراج هذا الكنز.
بالإضافة إلى ذلك، عادت نغمة “قناة بن جوريون” للظهور مجدداً؛ وهي القناة المقترحة لتكون بديلاً لقناة السويس، تربط خليج العقبة بالبحر المتوسط عبر غزة، و إذا تم تنفيذ هذا المشروع، فإن مستقبل غزة سيتحول من قطاع محاصر إلى “هب” (Hub) لوجستي عالمي، وهو ما يفسر الإصرار على تغيير الخارطة الديموجرافية والسياسية للقطاع بشكل جذري.
الصندوق الدولي للعقارات.. خصخصة الإدارة
كشفت تسريبات حديثة عن مقترح يقضي بتسليم إدارة غزة إلى “ترست عقاري دولي” (Real Estate Trust) بالشراكة بين مستثمرين أمريكيين وإسرائيليين وبدعم من دول إقليمية. هذا “الترست” سيعامل غزة كشركة مساهمة، حيث يتم منح الأراضي العامة (التي تشكل 30% من مساحة القطاع) للشركات مقابل خدمات الإعمار.
هذه الرؤية الاستعلائية تتعامل مع الفلسطينيين كـ “مستأجرين” أو “عائق أمام التنمية” يجب نقله، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتم استبدال حق العودة وحق تقرير المصير بحق “الاستثمار” و”الربحية”، فالقصة الصحفية لغزة اليوم ليست قصة حرب فحسب، بل هي قصة “استحواذ عدائي” (Hostile Takeover) على أرض وتاريخ، لإحلال غابة من الأسمنت والزجاج محل مخيمات اللجوء وذكريات الصمود.